رسالة إلى الشعب السوري بمناسبة ذكرى النكبة الثانية

الناشر: المكتب الاعلامي للسيد عبد الحليم خدام

الكاتب: عبد الحليم خدام

تاريخ نشر المقال: 2009-06-06

Facebook
Twitter
LinkedIn
WhatsApp

أيها الأخوة السوريون

في مثل هذا اليوم الخامس من حزيران 1967 وقعت النكبة الثانية التي أصابت العرب إثر العداون الإسرائيلي على مصر وسورية والأردن وإحتلاله سيناء والضفة الغربية والجولان .

لقد أصيب العالم آنذاك بالذهول والدهشة وأصيب العرب بالصدمة الكبرى لأن الهزيمة جاءت بعد موجات من الخطابات السياسية والشعارات لاسيما في مصر وسورية تبشر بالنصر .

ومن المؤلم أن الأوساط المسؤولة في تلك المرحلة لم تجري مراجعة نقدية وتقييماً لأسباب النكبة وتحديداً للمسؤولية وإستخلاصاً للدروس لبناء سياسات جديدة داخلية وخارجية لدحر العدوان وتحرير الأرض وإستعادة الحقوق الوطنية للشعب الفلسطيني .

كان للعوامل الخارجية دور كبير في كل ما أصاب العرب منذ وعد بلفور خلال الحرب العالمية الأولى عام 1917 مروراً بالنكبة الأولى التي أدت إلى تشريد مئات الألوف من الشعب الفلسطيني ونشوء القضية الفلسطينية والإعلان عن قيام دولة إسرائيل ، وقدمت تلك الدول مساعدات كبيرة عسكرية وإقتصادية وعلمية وسياسية للدولة الإسرائيلية ومكنتها من بناء قوة عسكرية في الوقت الذي حجب عن العرب إمتلاك وسائل القوة وقد شكلت تلك المساعدات عنصراً أساسياً في إختلال توازن القوى لصالح إسرائيل ضد العرب .

غير أن الدعم الخارجي لإسرائيل يجب أن لايغطي الأخطاء الكبرى والعوامل الذاتية في النظام العربي بصورة عامة وفي الأنظمة التي تعرضت للعدوان بصورة خاصة وقد ساهمت تلك الإخطاء والثغرات في تحقيق النكبة الثانية .

وفي هذه الذكرى الأليمة علينا المراجعة وإستخلاص الدروس لأن الإحتلال الإسرائيلي لازال مستمراً ولأن المشروع الإسرائيلي لازال قائماً ولأن الشعب الفلسطيني لازال موزعاً بين جزء يعيش في أرض الوطن في ظل الإحتلال وممارساته العدوانية والدامية وقسم آخر يعيش في المنفى ويعاني من صعوبات شديدة في حياته طامحاً في العودة إلى وطنه .

منذ نكبة فلسطين عام 1948 تعامل النظام العربي مع النكبة عبر مؤتمرات للقمة العربية وإجتماعات لمجلس جامعة الدول العربية بمجموعة من القرارات والتصريحات دون أن يكون لتلك القرارات رصيد واقعي في الوقت الذي كانت فيه إسرائيل تبني قوتها العسكرية والإقتصادية والسياسية والعلمية وتحولت قضية فلسطين إلى ورقة تستخدمها الحكومات والقوى السياسية في صراعاتها البينية .

إن فشل النظام العربي بوضع مشروع شامل لحماية العرب والدفاع عن حقوقهم والزود عن وطنهم وتوفير أمنهم وتحقيق تكاملهم الإقتصادي وتعاونهم العلمي كان يشكل أحد الأسباب الرئيسية في حالة العجز التي عاشها العرب آنذاك مشغولين في صراعات هامشية غير مدركين خطورة المشروع الإسرائيلي في المنطقة على أمنهم ومستقبلهم .

وفي سورية لم يكن الأمر مختلفاً عما هو قائم في النظام العربي كله من حيث غياب المشروع الوطني لمواجهة متطلبات الأمن القومي ولتحقيق الأهداف الكبرى للشعب السوري وفي مقدمتها دعم قضية فلسطين وغلب آنذاك الخطاب السياسي المليئ بالشعارات على البرنامج العملي المطلوب لتحقيق تلك الشعارات وممازاد الوضع تعقيداً مجموعة الإنقلابات التي تعرضت لها البلاد بالإضافة إلى زج الجيش في الشؤون السياسية وكان ذلك دور في إضعاف الجيش وفي إبعاد أعداد كبيرة من الضباط المؤهلين منذ إنقلاب حسني الزعيم في نهاية آذار عام 1949 وحتى حركة آذار 1963 مروراً بمرحلتي الوحدة مع مصر والإنفصال .

بعد حركة آذار 1963 برزت حالتان متناقضتان الحالة الأولى تصاعد في الخطاب السياسي وموضوعه تحرير فلسطين والعداء للأمبرالية والخصومة مع عدد من الدول العربية والحالة الثانية إتخاذ قرار بتحويل الجيش إلى جيش عقائدي أي جيش حزبي فأدى ذلك إلى تسريح أعداد كبيرة من الضباط المؤهلين ليحل محلهم مجموعة من الضباط الإحتياط الذين نفذوا خدمة العمل وأدى كل ذلك إلى تحويل الجيش من جيش وطني إلى جيش حزبي كما أدى في مراحل لاحقة إلى تغيير البنية الوطنية للجيش .

ولا بد من الإشارة إلى أن الصراعات الحزبية كان لها دور كبيرة في إبعاد أعداد كبيرة من الضباط البعثين عن الجيش .

إن تحويل الجيش من جيش مهني إلى جيش حزبي جعل الولاء السياسي متقدماً على الأهلية العسكرية مما أدى وضع أشخاص غير أكفاء في مواقع قيادية في القوات المسلحة .

إن الإستئثار بالسلطة وبناء نظام شمولي ثوري وتقسيم المجتمع بين قوى ثورية وتقدمية وبين قوى يمينية ورجعية وغياب دور الشعب عبر تعطيل الحياة السياسية وإلغاء دور المؤسسات الدستورية وممارسة السلطة في ظل قانون الطوارئ كان لكل ذلك دور كبير في إضعاف البلاد وفي إشغالها عن القضية الأساسية وهي قضية فلسطين وتوفير متطلبات تحقيق الأهداف الكبرى .

لقد أدى الإستئثار بالسلطة إلى نشوء حالة من الإنقسام بين النظام الحاكم وبين قوى المجتمع في سورية كما أدى النهج إلى تراجع الإقتصاد الوطني وتعقيد أحوال البلاد .

كان الحديث آنذاك عن حرب التحرير الشعبية وعن تحرير فلسطين لايرتكز على قاعدة حقيقية فالحرب أياً كان شكلها ونوعها تقليدية أو شعبية تتطلب وحدة وطنية شاملة و دولة يكون الشعب فيها مصدر السلطة ويشارك فيها الجميع في تحمل المسؤولية .

كيف يمكن الحديث عن الحرب وتحرير فلسطين في ظل توترات داخلية سواء في قلب النظام أو بين النظام وبين المجتمع بالإضافة إلى توترات عربية وصلت إلى مرحلة التصنيف بين عربي ثوري وتقدمي وعربي رجعي شريك للإستعمار والصهيونية .

أيها الإخوة المواطنون

كان من أهداف حركة تشرين عام 1970 تصحيح الإخطاء التي أضعفت سورية وساهمت في نكبة حزيران وبالفعل فقد تمت مجموعة من الإجراءات في المرحلة الأولى من عمر الحركة ومنها الإنفتاح السياسي والإقتصادي والسماح للأحزاب القائمة بممارسة نشاطها ووضع قانون إنتخابات وتشكيل مجلس الشعب وإقرار دستور دائم غير أن هذا المسار أخذ بالتراجع مع إنفراد الرئيس حافظ الأسد بالسلطة وتحويل المؤسسات الدستورية والحزبية إلى واجهة لسلطته .

كان الأمر الأكثر خطورة تسلط إسرة الرئيس على أجهزة الدولة ومؤسساتها وممارسة الفساد بهدف السيطرة على الثروة في البلاد .

إن تحول الدولة من دولة المؤسسات إلى دولة الفرد ثم دولة العائلة وإستخدام قانون الطوارئ في ممارسة القمع والتسلط على حريات الناس وعلى أرزاقهم كان الظاهرة البارزة التي تشير إلى أسباب ضعف الدولة .

في ذكرى نكبة الخامس من حزيران عام 1967 وفي ظل هذا النظام القائم على ركيزتين الأولى الإستبداد وإستخدام وسائل القمع وإلغاء الحياة السياسية وترهيب الناس وإطلاق أيدي أجهزة الأمن في الأعتقال وفي إبتزاز المواطنين والتسلط عليهم والركيزة الثانية الفساد وتشريعه عبر مجموعة من القرارات والقوانين تحت عنوان الإصلاح الإقتصادي وتطبيق إقتصاد السوق الإجتماعي مما وضع البلاد في حالة من الضعف والقلق والمعاناة الشديدة في الوقت الذي تتحكم الإسرة الحاكمة وأعوانها في إقتصاد البلاد وفي المؤسسات الإقتصادية والخدمية وفي الموارد العامة ويصبح فرد من أفرادها مالكاً أومستثمراً لمعظم موارد البلاد .

علينا أن نتساءل كيف يمكن لسورية أن تحرر أرضها قبل أن تتحرر من الطغمة الحاكمة التي تستنزفها وتضعفها .

إن نضالكم أيها الإخوة المواطنون لتحقيق الخلاص الوطني وبناء دولة ديمقراطية مدنية هوالطريق إلى تحرير الجولان وتحقيق النهوض والتقدم وعوامل القوة .

وفي هذه المناسبة الأليمة أتوجه للقوات المسلحة ضحية هذا النظام الذي أفقدها دورها الوطني وحولها إلى جهاز لحمايته وحماية فساده وأساء إلى كرامتها عبر نهج التمييز بين ضباطها فمنح المزايا والمنافع للأقرباء والمقربين وأطلق يدهم بالفساد والتحكم في الجيش ونقل الأخبار والمعلومات عن زملائهم في الوقت الذي لاتجد فيه الأكثرية الساحقة من القوات المسلحة ضباطاً وصف ضباط وجنوداً الحدود الدنيا من متطلبات الحياة فتعاني وأسرها من الفقر والحرمان .

مسؤوليتكم الوطنية كبيرة أيها العسكريون في إستعادة دوركم وإستعادة كرامة الجيش وصيانتها وأستعادة موقعكم الوطني والإصطفاف إلى جانب الشعب .

في هذه الذكرى الأليمة علينا أن نتذكر أن الأنظمة الشمولية والمستبدة لاتقدم لشعوبها غير المعاناة والمحن والضعف والهزائم  .

عاشت سورية .

Facebook
Twitter
LinkedIn
WhatsApp