عبدالحليم خدام : النظام العربي المعاصر . نهايات حرب أكتوبر وأسئلتها 4

الناشر: سورس

تاريخ نشر المقال: 2003-01-19

Facebook
Twitter
LinkedIn
WhatsApp

تنهي “الحياة” اليوم نشر حلقات أربع من كتاب جديد لنائب الرئيس السوري عبدالحليم خدام، يصدر قريباً في عنوان “النظام العربي المعاصر: قراءة الواقع واستشفاف المستقبل”، وهو يتناول الوعي القومي العربي في بواكيره الأولى وتطوراته، ويناقش مدى تقدير القوميين لوضع الاقليات ولموقع الدين الاسلامي من العروبة، ويتناول النظام العربي الراهن كما يتجسد في جامعة الدول العربية، انطلاقتها ومسارها المتعثر، ويتابع وضع النظام العربي في مرحلة الحرب الباردة وآفاق المشروع القومي العربي في أيامنا الحاضرة.
وعلى صعيد الصراع مع اسرائيل يمهد عبدالحليم خدام بشرح المشروع الصهيوني وموقف العرب منه ليفصّل الحديث في الصراع العربي الاسرائيلي.
في حلقة اليوم الرابعة الأخيرة متابعة لسياسات حرب أكتوبر 1973، والتأثير الإيجابي لتحرير جنوب لبنان والانتفاضة الفلسطينية.
في السادس عشر من تشرين الأول أكتوبر 1973 وخلال الحرب قام أليكسي كوسيغين بزيارة الى مصر استمرت حتى التاسع عشر من الشهر المذكور أجرى خلالها محادثات مع الرئيس السادات. وانتظرنا يومين ولم نتلق من مصر أية معلومات عن هذه المباحثات، فاستدعيتُ السفير السوفياتي في دمشق وطلبت منه موافاتنا بمعلومات عن المحادثات التي أجراها أليكسي كوسيغين في القاهرة، فوعد بإبلاغ موسكو. ورغم ذلك لم يأتنا من الاتحاد السوفياتي أي شيء. كما قام كيسنجر بزيارة الى موسكو، وعلى رغم طلبنا ان نوضع بصورة محادثات كيسنجر مع القادة السوفيات، فإننا لم نتلق معلومات ذات أهمية.
ومما لفت نظرنا بعد انتهاء الحرب تلك المعلومات التي أذيعت حول طلبنا من موسكو ان تعمل على وقف اطلاق النار بعد بدء العمليات القتالية. لقد أبلغوا ذلك الى الرئيس السادات، الذي أرسل برقية الى الرئيس حافظ الأسد مساء السادس من تشرين، وقد رد عليها الرئيس حافظ الأسد بالنفي، كما أعلمنا العراقيون والجزائريون أن الاتحاد السوفياتي أبلغهم ان سورية طلبت منه العمل على وقف القتال. ولم نستطع حتى الآن أن نصل الى استنتاج حول خلفية الموقف السوفياتي، وان كنت أقدر ان السفير السوفياتي في دمشق عندما استدعاه الرئيس حافظ الأسد لإبلاغه بقرارنا العسكري وطلب اليه آنذاك كما أشرت أمرين: “الأمر الأول” أن يقوم الاتحاد السوفياتي بتوفير حاجاتنا من السلاح والعتاد، والأمر الثاني” أنه بعد وصولنا الى نقطة معينة وهي تحرير الجولان ووصول مصر الى المضايق فإننا نرى أن يطلب الاتحاد السوفياتي انعقاد مجلس الأمن لاتخاذ قرار بإلزام اسرائيل بالاسحاب من جميع الأراضي العربية المحتلة في الخامس من حزيران يونيو 1967″. وربما تم الاتصال بموسكو متأخراً، كما ان من المحتمل ألا يكون السفير السوفياتي قد نقل المقابلة بدقة أو أن القادة السوفيات، وبعد أن حققت القوات السورية تقدماً كبيراً في الجولان منذ اليوم الأول، خشوا أن نفقد هذا المكسب إن استمر القتال فبادروا الى موقفهم المشار اليه.
ولعله من المفيد أن أشير الى الاتصالات التي كانت تتم بين موسكو وواشنطن خلال الحرب، والرسائل المتبادلة بين الطرفين. ففي السادس من تشرين الأول 1973 وجهت القيادة السوفياتية رسالة الى الرئيس نيكسون ووزير خارجيته الدكتور كيسنجر عن طريق السفير دوبرنين سفير الاتحاد السوفياتي في واشنطن، وقد أبلغت الى الخارجية الأميركية الساعة الثانية وعشر دقائق من يوم السادس من تشرين الأول وجاء فيها ما يلي: “لقد تلقى الزعماء السوفيات المعلومات المتعلقة ببدء العمليات القتالية في الشرق الأوسط في الوقت الذي علمت به الولايات المتحدة بذلك. إننا نأخذ كل ما يمكن من التدابير للاستيضاح عن حقيقة ما يجري في المنطقة، لأن المعلومات التي لدينا هي متناقضة. نحن نشارككم اهتمامكم بالحرب الجارية في الشرق الأوسط وندرس في الوقت الحاضر، كما أنتم تدرسون الخطوات الممكنة. وسنتصل بكم بعد قليل للتنسيق بين موقفينا”.

وكان الرئيس نيكسون قد وجه رسالة بعد بدء الحرب مباشرة الى بريجنيف يستوضح فيها عما يجري في المنطقة، ويؤكد اهتمام الولايات المتحدة الأميركية بالحرب الجارية هناك، وأن أميركا تدرس الخطوات الممكنة لوقف القتال، وهي تطلب من الاتحاد السوفياتي أن يباشر ضغوطاً على مصر وسورية من أجل وقف القتال.
في الثامن من تشرين الأول 1973 اتصل نيكسون ببريجنيف يسأله عن الجهود السوفياتية المبذولة لوقف القتال، وكانت أميركا قلقة آنذاك على اسرائيل بعد الأنباء التي تواترت عن تقدم القوات السورية والمصرية وعن تراجع القوات الاسرائيلية.
وفي اليوم المذكور رد بريجنيف الأمين العام للحزب الشيوعي السوفياتي برسالة شفهية سلمها أيضاً دوبرنين جاء فيها: “لقد اتصلنا بالزعماء العرب بشأن وقف اطلاق النار، ونرجو أن نتلقى اجابة بعد قليل. ونشعر أنه يجب العمل بالتعاون معكم، ودليلنا المصلحة العامة لحفظ السلام وتطوير العلاقات السوفياتية – الأميركية. ونأمل أن يعمل الرئيس نيكسون بالطريقة نفسها”.


وبتاريخ العاشر من تشرن الأول وجّه نيكسون رسالة ثالثة الى بريجنيف وكان الوضع العسكري الاسرائيلي في غاية السوء، كما كان هناك صراع في اسرائيل بين دايان وزير الدفاع، الذي اقترح انسحاب القوات الاسرائيلية الى حدود الرابع من حزيران 1967، وغولدا مائير التي كانت ترفض ذلك. لقد أرسل نيكسون رسالة الى بريجنيف يحثه على بذل المزيد من الضغوط من أجل وقف القتال، فردّ عليه بريجنيف برسالة سلمها دوبرنين الساعة الحادية عشرة والربع من صباح العاشر من تشرين الأول جاء فيها: “بروح الاتفاق مع الرئيس نيكسون خلال المباحثات السابقة في الأيام الأخيرة قمنا باتصالات مع زعماء مصر وسورية حول وقف اطلاق النار. وبصراحة كانت مباحثاتنا مع العرب طويلة وغير سهلة وعلى كل حال، يمكننا أن نخبر الرئيس نيكسون أن السوفيات مستعدون لعدم معارضة مشروع قرار وقف اطلاق النار، والرئيس يفهم ان الاتحاد السوفياتي لن يؤيد مشروع قرار وقف اطلاق النار ولكن لن يستخدم الفيتو ضده. ولم يكن سهلاً علينا اتخاذ هذا القرار. لكن دليلنا هو المصالح العامة لحفظ السلام. إننا نقول للرئيس في الوقت الحاضر إننا يمكن أن نحدد تأييدنا لوقف اطلاق النار. ليس من الممكن حاضراً بحث مواضيع سياسية أخرى معكم، ونأمل أن يساهم التنسيق والنشاط السوفياتي – الأميركي في وقف اطلاق النار. وسنجدد النشاط تجاه التدابير السياسية على أساس تحرير كامل الأراضي العربية المحتلة من اسرائيل، ونعتقد ان هذا يشكل خطوة كبيرة لتحسين الوضع الدولي”.

وكان نيكسون قد أشار أيضاً في رسالته الثالثة الى بريجنيف الى الجهود السوفياتية – الأميركية التي يمكن أن تناقش للوصول الى حل سياسي.
وفي التاسع عشر من تشرين الأول 1973 أرسل بريجنيف الى الرئيس نيكسون رسالة رابعة سلمت صباح اليوم المذكور، وكانت القوات الاسرائيلية قد استطاعت اجتياز الضفة الغربية لقناة السويس في الخامس عشر من تشرين الأول، وكان كوسيغين في مصر يجري محادثاته مع الرئيس السادت. وعلى ما يبدو فإن الرئيس السادات، وقد هالته التطورات السريعة للأحداث – خرق في الجبهة السورية، وخرق في الجبهة المصرية، ومساعدات أميركية هائلة – منذ اتخذ قراره بالعمل على وقف اطلاق النار وابلاغ ذلك الى الرئيس حافظ الأسد في برقيتين في الثامن عشر من تشرين الأول، طلب الى كوسيغين أن يبذل الاتحاد السوفياتي جهوده لوقف القتال، وقد ورد ذلك فعلاً في البرقية المشار اليها ولذلك بادر بريجنيف الى ارسال هذه الرسالة الرابعة، وقد جاء فيها:

“ان الوضع في الشرق الأوسط يسير في خطر زائد. يجب علينا نحن وأنتم أن نبذل أكبر جهد لنحد من التطورات الخطيرة في المنطقة. فإذا توسع الخطر في المنطقة فسيشكل خطراً على العلاقات بين السوفيات وأميركا. نعتقد أنه لا نحن ولا أنتم نريد رؤية مثل هذا التطور، ونحن متأكدون أن الدولتين يمكنهما ان يسهلا اتخاذ القرارات. وإني أقترح أن يزورنا الوزير كيسنجر في موسكو كممثل شخصي، يمكن أن يأتي غداً في عشرين تشرين الأول لإجراء مباحثات معه”.
وواضح ان السوفيات عندما طلب منهم الأميركيون في بدء القتال العمل على وقف القتال اعتذروا عن ذلك رغم أنهم في الرسالة الثالثة وافقوا على أن يتقدم الأميركيون بالمشروع الأميركي لوقف القتال من دون أن يعارضوا هذا المشروع، إلا انهم لم يلتزموا بالعمل على وقف القتال. وعندما ضعف العرب من خلال الخرقين وتطورت العمليات العسكرية طلب السوفيات من الأميركيين اتخاذ الاجراءات المشتركة لوقف القتال كما طلبوا زيارة كيسنجر الى الاتحاد السوفياتي، فأبلغهم كيسنجر ان سورية تُعدّ للقيام بهجوم جديد في 23 تشرين، فأجابه السوفيات أنهم قد اتخذوا خطوات مناسبة لوقف هذا الهجوم، وأنهم يرون أنه بعد القرار الأخير لوقف القتال ليس هناك هجوم قيد التحضير في سورية.
وإذا نحن عدنا الى استذكار الوقائع بعد الثامن عشر من تشرين الأول لفهمنا الكثير من الأمور. لقد كان الهجوم المعاكس مقرراً بالفعل ولكنه تأجل بناء على طلب العراقيين وإلحاحهم، ولا ندري ما إذا كان السوفيات وراء هذا الموقف العراقي. هذا من ناحية، ومن ناحية ثانية كان المصريون والسوفيات والأميركيون يجرون اتصالات لوقف اطلاق النار من دون أن يكون لنا علم بذلك، ولو كان السوفيات وضعونا بصورة هذه الاتصالات لاستفدنا من عامل الزمن ولنفذنا الهجوم المضاد بامكاناتنا التي كانت تستطيع ان تحقق نتائج على الارض.
ولكن ما دمنا نقاتل من خلال تصورنا بأن القتال مستمر، فقد ارتأت القيادة العسكرية قبول الطلب العراقي والأردني بتأجيل الهجوم المعاكس بضعة ايام. ولم يضعنا السوفيات بصورة هذه المباحثات ولا المصريون في الوقت الذي كانت فيه الولايات المتحدة على اتصال وتنسيق دائمين مع اسرائىل. وقد قامت الولايات المتحدة باعلام اسرائىل بالاتفاق الاميركي – السوفياتي – المصري حول وقف اطلاق النار بتاريخ التاسع عشر من تشرين الاول 1973 وعن الموعد المقترح في الثاني والعشرين من تشرين الاول المذكور، وهذا ما يفسر الضغط العسكري الكبير الذي قام به الاسرائىليون لتحقيق اوسع المكاسب على الارض ….

وفي الحادي والعشرين من تشرين الاول قرر مجلس الامن وقف اطلاق النار، فقبلته مصر وتأخرت سورية لأنها ما ارادت ان تنفرد بالقرار من دون الاتصال بالأشقاء العرب. فأجرى الرئىس حافظ الاسد اتصالات مع جميع رؤساء الدول العربية وطلب رأيهم من دون ان يستعجلهم الجواب، فكانوا جميعهم ما عدا العراق مع وقف اطلاق النار، لأن الاساس الذي قامت عليه الحرب قد تغير بخروج مصر ولا يعقل ان تتحمل سورية وحدها اعباء استمرار القتال.
لقد حققت الولايات المتحدة اهدافها وساعدها في ذلك موقف القيادة السياسية في مصر الذي تحول نوعياً من مرحلة الاعداد للحرب ومباشرتها الى مرحلة الشعور بالعجز عن المتابعة والاعلان ان الحلول هي في ايدي الولايات المتحدة الاميركية. …
كانت حرب تشرين 1973 أخطر تحول شهدته الأمة العربية في القرن العشرين لسببين:
الأول انها كانت محصلة لتضامن عربي، فقد ساهم فيها العرب جميعاً بصورة مباشرة وغير مباشرة وبرزت مقدرتهم على الانتقال من مرحلة الدفاع وتلقي الضربات من اسرائيل وغيرها الى مرحلة المبادرة العسكرية، وهي الحرب الاولى التي شنها العرب ضد عدوان خارجي منذ نهاية الحروب الصليبية.
كان يمكن ان يؤسس ذلك الاجماع والتضامن لبناء نظام عربي جديد وانتقال العرب من مرحلة الى اخرى ولا سيما ان الذين شاركوا اتخذوا قرارات خطيرة لم يعهدوا مثلها من قبل سواء بإرسال القوات او وقف ضخ النفط.

والثاني ان انفراد حاكم واحد باتخاذ قرارات تمس مصير الأمة كلها كانت له نتائج خطيرة على العرب جميعاً ولا سيما الشعب الفلسطيني ودول الطوق والدول المساندة وأدى هذا الانفراد الى إغلاق الطريق امام حالة النهوض والتضامن وساهم في تعزيز قوة اسرائىل وموقعها.
من الطبيعي القول: إن الولايات المتحدة الاميركية واسرائىل استخلصتا نتائج هذه الحرب وعملتا على تقويض الوضع العربي وبث الانقسامات بين العرب وإضعافهم حتى يصبحوا في حالة من العجز لا تمكنهم حتى من مجرد التفكير في التمرد على الولايات المتحدة او شن حرب ضد اسرائىل.
إن أي قراءة موضوعية للأحداث التي تلت وقف اطلاق النار وصولاً الى معاهدة الصلح المصرية – الاسرائىلية وانفجار الحرب الاهلية في لبنان وتفجر الخلافات السورية – المصرية ثم العربية – المصرية وتوتر العلاقات بين سورية والعراق واجتياح القوات الاسرائىلية للبنان مرتين في عامي 1978 و1982 وتعاظم القوة العسكرية الاسرائيلية وتنشيط بناء المستوطنات وضم كل من الجولان والقدس الى اسرائىل وخروج مصر من ساحة الصراع المسلح مع اسرائىل وتراجع الاوضاع السياسية والاقتصادية في الوطن العربي، تؤكد ان هذه كلها هي من مفرزات الانفراد بقرار ينال من الأمة ولا علاقة له بالسيادة القطرية، لأن هذه السيادة كانت مقيدة اولاً بمعاهدة الدفاع العربي المشترك وبقرارات القمة العربية التي وافقت عليها مصر، وبالاتفاق بين سورية ومصر على خوض الحرب ومعاهدة الدفاع المشترك بين الدولتين ….
في السادس من تشرين كان عرس لدى العرب وبعد ايام تحول العرس الى حالة من الخوف والإحباط، ثم تحول أمل النصر الى قلق من الهزيمة التي وقعت فعلاً ليس بسبب الخسارة العسكرية ولكن بسبب انهيار العلاقات بين مصر وسورية، الذي اعطى الأمن والاستقرار لاسرائىل وزاد من عدوانها على الأمة في بعض اجزائها في فلسطين وسورية ولبنان…
كان قرار الحرب صائباً كل الصواب ولكن احتياطات حماية القرار كانت محدودة ولا سيما بسبب بعض سياسات القيادة المصرية كما أشرت.
كانت سورية ولا شك في موقف صعب ومعقّد، فرذا تصرف وفق شكوكها وتلكأت عن اتفاقها مع مصر فإن الاحتمال كان كبيراً ان يخوض الرئىس المصري الحرب ويحمّل سورية مسؤولية تاريخية لنتائجها، ومع ذلك كانت الاضرار الكبرى التي وقعت خلال الحرب وبعدها كبيرة على الأمة كلها بغض النظر عن اي قرار كان يمكن ان تتخذه سورية.

خلال التغييرات في سير مواقف القيادة المصرية خلال الحرب تذكرنا السؤال الذي طرحه بريجنيف الأمين العام للحزب الشيوعي السوفياتي على الرئىس حافظ الاسد حول موقف القيادة المصرية وحول مدى الاطمئنان لهذا الموقف.
كان الطموح ان يستعيد العرب ارضهم وحقوقهم في حرب تشرين وتحول الطموح الى قلق وخوف وخسارة والى ما هو أقسى من الخوف والخسارة اي انقسام العرب حول الموقف من المشروع الصهيوني ودولة اسرائىل وعدوانها المستمر. لأنه عندما ينقسم العرب هكذا فهذا يعني ان الزمن بات مراً وقاسياً، فليس على الأمة اقسى من ان يواجه بعضها بعضها الآخر من اجل عدو يستهدف كلا الفريقين، الفريق الذي سالمها والفريق الذي استمر بعدائها ….
والعرب في هذه المرحلة التي تصاعدت فيها حدة السياسات العدوانية الاسرائىلية ضدهم وضد الشعب الفلسطيني خاصة يؤمنون ان من حقهم بل من واجبهم دعم نضال الشعب الفلسطيني بكل اشكاله لأن إلحاق هزيمة نهائية بهذا الشعب يعني إلحاق الهزيمة الكبرى بالأمة جميعها.
وكما كان من حق اي شعب مقاومة الاحتلال فمن حق الشعب الفلسطيني، الذي شطره المشروع الصهيوني بين لاجئين يعيشون في أسوأ الظروف النفسية والمعيشية بعيداً عن ارض الوطن، عن الجزء الآخر من هذا الشعب الذي يرزح تحت الاحتلال وتمارس عليه كل انواع الضغوط والقهر والظلم والعنصرية، ومن حق هذا الشعب ان يقاوم العدوان بوسائله وبما توفر له من تصميم وعزم وشجاعة ….
لكن الفهم الخاطئ للمهام النضالية لمنظمات المقاومة جعلها في حالة توتر مع المحيط الذي نشأت فيه وتركز جهدها الرئيسي باتجاه هذا المحيط على حساب الجهد الأساسي، كما حدث في الأردن حيث نشأ صراع بين الفصائل الفلسطينية المسلحة وأجهزة الدولة الأردنية ادى الى تصفية هذه الفصائل وإضعاف منظماتها وخلق توترات لم ولن تخدم القضية الأساس، والأمر ذاته حدث في لبنان حيث نشأ الصراع اولاً بتوترات مع الدولة اللبنانية ثم مع بعض الأحزاب اللبنانية وتشابك ذلك مع القضايا الداخلية في لبنان وتحولت هذه الفصائل الى شريك في الحرب الأهلية في لبنان.

هذا بالإضافة الى سرعة تخلي قيادة منظمة التحرير الفلسطينية عن الثوابت مما زاد في حجم النزاعات الداخلية بين الفصائل وأضعف البعد العربي في القضية الفلسطينية… وعلى الرغم من هذه السلبيات فإن منظمة التحرير الفلسطينية نجحت في اعطاء بعد دولي للقضية الفلسطينية وساهم في ذلك عدد من فصائلها…
إن التطور المهم في ساحة النضال الفلسطيني هو انتفاضة الحجارة في خريف عام 1987 التي كشفت النزوع العميق والقوي لدى الشعب الفلسطيني من اجل التحرر واستعادة حقوقه، وشكلت هذه الانتفاضة بدء هزيمة اسرائيل في المجتمع الدولي وبات الرأي العام العالمي اكثر إدراكاً للسياسة الإسرائيلية العدوانية، ولكن هذه الانتفاضة لم تصل الى تحقيق بعض اهدافها بسبب انزلاق قيادة منظمة التحرير الفلسطينية نحو مفاوضات سرية مع اسرائيل انتهت باتفاقية اوسلو في 13/9/1993، التي كان التوقيع عليها شهادة طي لملف الحركة الشعبية الفلسطينية…
ورغم اتفاق اوسلو وتشكيل سلطة الإدارة الذاتية الفلسطينية في غزة وبعض مدن الضفة الغربية إلا ان الشعب الفلسطيني بقي صامداً ضد الاحتلال وقلقاً من سياسة السلطة الفلسطينية، لذلك فإن الشارع الفلسطيني لدى كل حادث تقوم به اسرائيل كان يتحرك وكانت اقوى هذه التحركات، التي قدم الفلسطينيون اثناءها اعداداً كبيرة من الشهداء والجرحى والخسائر، حين باشرت حكومة اسرائيل بفتح نفق في القدس الشرقية…
في الثامن والعشرين من ايلول سبتمبر وبعد زيارة آرييل شارون لباحة المسجد الأقصى انفجرت انتفاضة شعبية في الضفة الغربية وغزة سرعان ما تحولت الى مقاومة مسلحة للاحتلال واجهها الإسرائيليون بكل ما يملكون من وسائل العنف بما في ذلك الطائرات والدبابات والمدفعية والصواريخ، فقتلوا بضعة آلاف وجرحوا عشرات الآلاف وهدموا المنازل والمنشآت والمراكز الحكومية، ومع ذلك فقد عجزوا عن فرض الأمن، كما عجزوا عن فرض الاستسلام على الشعب الفلسطيني ….
وفي مجال الحديث عن المقاومة المسلحة لا بد من العودة الى المقاومة اللبنانية التي خطت الخطوات الصحيحة في مقاومة الاحتلال ونجحت في تحقيق اهدافها…
أثناء وبعد اجتياح اسرائيل جنوب لبنان عام 1978 كان الجهد الأساسي في الجنوب اللبناني جهداً فلسطينياً مع مشاركة القوى الوطنية اللبنانية، وبعد اجتياح اسرائيل الثاني في مطلع حزيران 1982 كان الجهد اللبناني هو الأساس في مقاومة الاحتلال…
بدأت المقاومة اللبنانية اثناء احتلال القوات الإسرائيلية لبيروت ثم توسعت ومع توسعها بدأ السباق بين الفصائل اللبنانية للقيام بعمليات ضد القوات الإسرائيلية، وقدمت هذه الفصائل عدداً من الشهداء الذين سقوا أرض لبنان بدمائهم الزكية لتنمو شجرة التحرير…
وفي المرحلة الثانية كان يقوم بالجهد الأساسي للمقاومة حزب الله وحركة أمل، وكانت مساحة عمل حزب الله هي الأوسع.
اتسمت المقاومة في لبنان بالسمات التالية:
1- احتضان المجتمع اللبناني لها ووقوفه موحداً حين تعرض الجنوب وبيروت والبقاع للأعمال العسكرية العدوانية الإسرائيلية ولا سيما اثناء عدوان تموز يوليو 1993 وعدوان نيسان ابريل 1996.
شكل دعم الشعب اللبناني بكل قواه وشرائحه السياسية والاجتماعية للمقاومة عاملاً اساسياً في تحقيق النصر ودحر القوات الإسرائيلية وانسحابها من لبنان من دون قيد او شرط.
2- دعم سورية للمقاومة وتوفير الغطاء السياسي لها ولا سيما في الساحتين العربية واللبنانية.
3- دقة التنظيم والإعداد والإدارة والتعبئة واختيار الأهداف وقوة العقيدة والتصميم.
ومما لا شك فيه ان تصميم المقاومة في لبنان وصمود الشعب اللبناني ومساندة سورية، كل ذلك قد لعب دوراً هاماً ادى الى تغيير جذري في معادلة الصراع فحل توازن جديد للقوى لم يعهده الإسرائيليون من قبل على رغم استخدامهم لجميع اصناف القوة التي يملكونها، وأدى هذا الاختلال الى انسحاب اسرائيل من معظم الأراضي اللبنانية، بل من كل الأراضي اللبنانية التي احتلتها عامي 1978 و1982 دون قيد او شرط رغم الضغوط التي مورست على لبنان للدخول بمفاوضات ثنائية تمهيداً لتوقيع اتفاقية سلام مع اسرائيل، فأخفقت هذه الضغوط وبقي المساران السوري واللبناني مترابطين، وكشف هذا الترابط النتائج الكبيرة التي يمكن ان يحققها العرب من تنسيق مواقفهم ومسارات نضالهم من اجل تحرير الأرض واستعادة الحقوق.
وليس من قبيل المبالغة القول: إن العد العكسي لإسرائيل بدأ في اندحارها في جنوب لبنان وتأكد هذا العد العكسي في التضحيات الهائلة للشعب الفلسطيني وصموده، وتبقى نقطة القوة لدى إسرائيل هي الوضع العربي الحالي وتفككه وهي ثغرة كبرى في الموقف العربي.
صحيح ان اسرائيل اليوم قوة كبرى في المنطقة، قوة عسكرية وعلمية واقتصادية، بسبب ما تمتلك من مقومات وما تقدمه لها الولايات المتحدة الأميركية من مساعدات في جميع مجالات القوة، ولكن هذه القوة مع ذلك هي الغلاف الذي يغلف حالة الضعف والتفكك في اسرائيل، وهو نفسه سيكون العامل الرئيس في اندحارها.
ان التوازن بين القوة الاستراتيجية الإسرائيلية وبين بنيتها مختل ومعتل، وبرز ذلك بوضوح في جنوب لبنان عندما تحول الانسحاب من الأراضي اللبنانية الى احد ابرز شعارات الانتخابات في اسرائيل، كما يبرز في حالة الشعور بالخوف والقلق في فلسطين حيث وقفت القوة العسكرية الإسرائيلية بكل امكاناتها في مواجهة الشعب الفلسطيني بكل ما يمتلك من ثقة وإيمان واستعداد للتضحية حتى يتحرر من الاحتلال ويستعيد حقوقه كاملة.
وكما ان الضعف يكون في كثير من الأحيان سبباً للهزيمة والانسكار امام العدو الخارجي، فإن القوة العمياء نفسها تقود الى الانكسار والهزيمة وأمثلة التاريخ كثيرة وأبرزها هزيمة القوة الألمانية النازية، والقوة الإيطالية الفاشية.
ان اختلال التوازن بين القوة والعقل وسيطرة القوة بما تفرضه من شعور بالغرور يقودان الى الهزيمة المحققة.
في جميع الحروب العربية – الإسرائيلية، استخدم العرب الوسائل التقليدية في الحروب حيث لا يستطيعون مجاراة اسرائيل بحكم ما تملك وما يمكن ان تملك من وسائل القوة المختلفة، فاستطاعت تحقيق نكسات لهم في تلك الحروب.
غير ان المقاومين غيّروا استراتيجية الصراع مع اسرائيل عندما واجهوها بأسلحة لا تملكها وهو سلاح التضحية والاستعداد للشهادة والمواجهة المباشرة، ونجح هؤلاء المقاومون في تحقيق انجازات كبرى رغم القوة العسكرية الإسرائيلية الهائلة.
ووقائع الحياة في الماضي والحاضر كما في المستقبل تبين ان الشيء يفرز نقيضه، فالقوة تقود الى الضعف إذا اسيء استخدامها وما من امة امتلكت وسائل القوة بقيت بمعزل عن إفرازاتها إلا كان مصيرها الضعف، والأمة العربية مثال واضح.
والضعف العربي الراهن سيفرز قوة للعرب، لأن القهر والظلم والتعسف والهيمنة الأجنبية اسباب للتغيير في واقع الأمة واستعادة مقومات النهوض والتحرر والتقدم.
* يصدر كتاب عبدالحليم خدام “النظام العربي المعاصر: قراءة الواقع واستشفاف المستقبل” الأسبوع المقبل عن دار “المركز الثقافي العربي”

Facebook
Twitter
LinkedIn
WhatsApp