عبد الحليم خدام : سورية أقل الخاسرين من الحرب المقبلة على العراق والوضع العربي أشد سوءا من 1948

الناشر: الشرق الأوسط

الكاتب: أجرى الحوار في دمشق: علي محمد طه

تاريخ نشر المقال: 2003-03-19

Facebook
Twitter
LinkedIn
WhatsApp

نائب الرئيس السوري لـ«الشرق الأوسط»: تركيا وضعت شروطا لإعطاء تسهيلات لأميركا ودول عربية وافقت مجانا * الرابط الوحيد بين الدول المؤسسة للجامعة العربية هي الخوف من بعضها والنظام العربي مارس سياسة بيع الناس الكلام

* الحديث عن السلام الآن مثل استجلاب الماء من القمر * الحرب ستفرز النقيض للعرب.

* أكد عبد الحليم خدام نائب الرئيس السوري في حديث لـ«الشرق الأوسط» على ضرورة أن يتخذ العرب موقفاً موحداً لمنع وقوع الحرب على العراق. وقال إن سورية لا تدعو لشن حرب ضد الولايات المتحدة، ولا لإعداد جيوش لهذه الحرب، ولكن المطلوب عدم إعطاء تسهيلات للجيوش الأجنبية التي تريد اجتياح العراق وتدميره. وقال إن موقف سورية معتدل وليس متشددا وأنه يريد تطبيق الشرعية الدولية. وأكد أن الهدف من اجتياح العراق هو رغبة اميركا في إعادة تشكيل المنطقة ومسح المستقبل العربي لعقود كثيرة قادمة. والحوار طرح تساؤلات كثيرة وهذا نصه.

* منذ مدة صدر كتابكم الأخير عن النظام العربي المعاصر قراءة الواقع واستشفاف المستقبل فلماذا قدمتم هذا الكتاب في هذه المرحلة بالذات؟

ـ الهدف الأساسي هو تقديم دراسة علمية مقرونة بالوقائع والحقائق حول واقع النظام العربي وأسباب تعرضه للانتكاسات والخسائر والهزائم في المرحلة الماضية وتراجعه المستمر فهو نظام غير صحيح وغير سليم وقد حاولت الإشارة لهذه الأسباب وإعطاء صورة واضحة للواقع ليعرفه العرب والأجيال الجديدة حتى ترى الحقائق كما هي وحتى تحسن اختيار طريقها في المستقبل.

* ما هي أهم السلبيات التي تعرض لها النظام العربي في المرحلة الماضية؟

ـ النظام العربي لم يبن بهدف تحقيق الوحدة العربية وإذا عدنا للوراء ولميثاق الجامعة العربية لعلمنا أن هذا النظام وجد على أساس ترسيخ فكرة القطرية لكل دولة على حدة من الدول السبع المؤسسة للجامعة العربية ومن هنا نشأت الإزدواجية بين الشعور العربي العام بأن هذا النظام سيقوده للوحدة العربية والدفاع عن مصالحه ما سيوفر له الاستقرار ويمنع المشروع الصهيوني من تحقيق أهدافه وبساعد في تحرير ما كان محتلاً وبين السياسات الحكومية التي كانت في واد آخر وكانت لها اعتبارات أخرى، مما جعل النظام العربي يعيش في ازدواجية. وكانت السياسات الحكومية لها همومها واعتباراتها لذلك مارس النظام العربي العام سياسة بيع الكلام للناس. وكان الفعل عكس مصالح الناس فلو تحدثنا عن قرارات مثل قرار الوحدة الاقتصادية الذي أقره العرب عام 1957، حتى الآن لم يتحقق منها أي شيء. والآن ما وصلت إليه الأمة العربية بعد كل هذه الأعوام لا شيء بل ما حققنا هو تعميق التجزؤ والتناقض في بناء ومصلحة الاقتصاد العربي وهذا التناقض شكل عائقاً أمام وحدتهم السياسية، أيضا معاهدة الدفاع المشترك التي وقعت في الخمسينات والتي ما زالت حبراً على الورق للآن وفي الأساس هذه معاهدة تلبي كل احتياجات العرب الدفاعية لكن هذه الاتفاقية جمدت ولم توضع لها آليات وبرامج وبقيت مرتكزة على الخطاب السياسي غير الواقعي وغير الجدي وتكاد تكون حرب تشرين التحريرية هي الحالة الوحيدة التي تكاتف فيها العرب في عصرنا الحديث وهذا يعني وجود خلل في النظام العربي وانعدام التفاهم العربي المشترك.

* هل ما زالت الكثير من الدول العربية تعاني من التأثير الخارجي على قراراتها الداخلية والخارجية؟

ـ كانت معظم الدول العربية تخضع للاستعمار الأجنبي وتبنت بريطانيا دعم المشروع الصهيوني وأعطتهم فلسطين وأرادت بريطانيا أن تقدم للعرب مساهمة لتمتص ردة فعلهم الغاضبة فدعت لإنشاء جامعة الدول العربية ووظفت الوضع في المنطقة للحفاظ على مصالحها مستقبلاً خاصة أن نتائج الحرب الثانية كانت لصالح الولايات المتحدة والاتحاد السوفياتي وكان هناك قلق من المد السوفياتي تجاه الشرق الأوسط فحاولوا الوقوف في وجهها. أيضاً الدول العربية السبع التي اجتمعت لإنشاء الجامعة العربية كانت علاقتها في ما بعد متناقضة وهي في خصومات. وكان حينها لبنان يخاف من سورية وكانت سورية تخاف من العراق والأردن وكانت السعودية تخاف من الأسرة الهاشمية في العراق والأردن وكان هناك قلق من مصر وكان الرابط الوحيد بين هذه الدول هو الخوف من بعضها البعض لذلك وضعوا ميثاقاً لضمان الأوضاع القطرية وليس ميثاق لضمان الوضع العربي العام وما زالت كما هي وزادت فرقتهم ونشأت مصالح قطرية لضمان الوضع العربي العام وما زالت كما هي وزادت فرقتهم ونشأت شرائح من الناس لها مصالح في استمرار الوضع الراهن. لذلك رأينا رغم كل ما تعرض له العرب من مشاكل ونكبات ظل النظام العربي متخلفاً ولم يحظ الخطوات الصحيحة ليتصدى لها وكما قلت رغم ما تعرض له العالم العربي من أخطار وآلام هددت الجميع وتهدده بشكل دائم فهذه الأخطار لم تدفع المشاركين في هذا النظام لأن يخطو الخطوات الصحيحة لتصويب الوضع المتردي.

* ألا يشكل عجز العرب عن اتخاذ موقف موحد وحازم تجاه ما يجري من مجازر في فلسطين وتجاه أزمة العراق موقفا مهيناً للنظام العربي العام؟

ـ حالتا فلسطين والعراق تصوران حقيقة النظام العربي العاجز. فحالة فلسطين وما يجري من مذابح ضد الفلسطينيين وما يجري من تجويع وهدم لمنازلهم وحصار دائم، مع ذلك ما هو رد الفعل العربي؟! لا أحد يطلب شن حرب غير معدة لكن هذا الصمت والتخلي عن الإمكانيات الواسعة التي لدى الحكومات العربية لوقف هذه المجازر ولممارسة ضغوط على إسرائيل وعلى الولايات المتحدة التي تحتضنها يعطي صورة عن هذا العجز العربي. الصورة الثانية هي حالة العراق، وما يتعرض له من تهديد اميركي. اذ من المؤلم أن يكون رد الفعل العربي الرسمي لا يتناسب مع حجم الأخطار التي ستصيب كل العرب فيما إذا وقعت الحرب، وصنف العرب الذين لا يريدون الحرب بأنهم متشددون وفعلياً هم معتدلون بينما صنف الآخرون بأنهم معتدلون وهم فعلياً منهزمون فقد نجحت أميركا في حربها النفسية التي شنتها ضدنا فأخافت البعض ونجحت في بذر الشقاق في الحالة الرسمية العربية. والاعتدال العربي يتمثل بعدد قليل من الدول العربية ومنها سورية ونحن لا ندعو لشن حرب ضد اميركا بريطانيا ولا ندعو الدول العربية لإعداد جيوشها للحرب لكننا ندعو لاتخاذ موقف ضد الحرب ولعدم إعطاء تسهيلات أمام الجيوش الأجنبية من أجل تدمير العراق واجتياحه وضربه. ولو قارنا الوضع العربي الآن بالوضع العربي عام 1948، لوجدناه الآن أشد سوءاً وأكثر من ذلك، والمعتدلون يريدون تطبيق الشرعية الدولية، وهناك مع الأسف من حجبت عنهم رؤية المستقبل المظلم فيما لو حدثت الحرب لا سمح الله.

* هل يعني هذا ان الضغوط الاجنبية الخارجية تؤثر على القرارات العربية؟

ـ اميركا شنت حرباً نفسية ضد العرب ونجحت في خلق حالة من الخوف العربي بالإضافة إلى ذلك الحالة العربية التي سبقت الأزمة الحالية كانت حالة تمزق وتفكك وهذا ما سهل للأطراف الأجنبية اللعب بالساحة العربية. نعم بكل وضوح هناك جهات عربية لا تمتلك قرارها السياسي الذي يخدم مصلحة الأمة ومصالح بلدانها فمن يعتقد أن هذه الحرب ستوفر له الأمن والاستقرار فحساباته خاطئة ونظرته غير قائمة على دراسة واقعية وموضوعية للواقع الراهن ولاحتمالات المستقبل ونحن عندما دعونا الحكومات العربية إلى موقف جدي وحازم لمنع الحرب ليس من أجل هذا العامل أو ذاك.

وقد أعلن وزير الخارجية الاميركي كولن باول في جلسة مجلس الشيوخ بأن الهدف أصبح واضحاً وهو بإعادة تشكيل المنطقة. وهذا يعني سايكس بيكو جديدا ومسح المستقبل العربي لعقود كثيرة قادمة.

* كيف ترون دور إسرائيل في المرحلة القادمة؟

ـ لا شك أن إسرائيل ستكون في هذه الموازين هي صانعة القرار. فطبيعة العلاقات الاميركية ـ الإسرائيلية تختلف عن طبيعة العلاقات بين الولايات المتحدة وبين من تدعي أنهم أصدقاؤها من العرب. فإسرائيل هي الحليف الاستراتيجي لأميركا في المنطقة وتعتبرها جزءا من أمنها الاستراتيجي واميركا ليس لها صديق بين العرب. وإسرائيل هي جزء رئيسي من الاستراتيجية الشرق أوسطية بالنسبة للولايات المتحدة، فأمر طبيعي انها ستقطف ثمارها وهذه الثمار ستكون على حساب العرب فقط، فمن هنا نحن لا ندافع عن العراق فقط نحن ندافع عن العرب كلهم فإذا ما أعلنت الحرب فإن آثارها وسلبيتها ومضارها ستمس العالم العربي من موريتانيا حتى الخليج العربي. واميركا لا تتعامل مع أصدقائها بمصداقية فلو كانوا فعلاً أصدقاء لهم لماذا يفعلون هذا في هذا الوضع المحرج خاصة أن كل الشعوب العربية في حالة غليان وغضب وضد الحرب ولا يوجد هناك بلد عربي لم يخرج شعبه ليصوت ضد الحرب وضد ما يجري في فلسطين فإذا كانت أميركا حريصة على أصدقائها العرب وأنها دولة كبرى ديمقراطية فكان يجب أن تضع باعتبارها رغبة ومطالب الشعوب العربية وليس إحراج أصدقائها ومساعدتهم في عدم خلق ظروف ستكون خانقة بالنسبة للجميع.

* تشير التحليلات السياسية الى أن سورية ستكون أكبر المتضررين من الحرب القادمة وأنها ستكون الهدف التالي بعد العراق هل هذا ما يدعو سورية لتتخذ كل هذه المحاولات لدرء وقوع الحرب؟

ـ الحرب القادمة لن ينجو من آثارها المؤذية أحد ولكن إذا أردنا أن نتكلم عن حجم خسائر دول المنطقة فستكون سورية أقل الدول العربية أضراراً لماذا؟ بسبب بنيتها السياسية والاقتصادية والثقافية فسورية بلد موحد متماسك، الوحدة الوطنية عميقة الجذور، قد يختلف السوريون مع القيادة في أمر ما، ولكن إذا تعلق الأمر بالخطر الخارجي فسورية كلها ستلتف حول قيادتها وهذا الأمر يصعب توفره في كثير من البلدان العربية، وبالتالي الزلزال ستكون أخطاره في البلدان الأخرى أكثر تدميراً، ومن هنا ومن حرصنا على المستقبل العربي نعمل على درء هذا الخطر الذي يهدد الجميع.

* هل العرب قادرون فعلياً على منع وقوع الحرب؟

ـ نعم عندما تتحرر الإرادة ويزول الضباب من أمام الرؤية السليمة فالعرب قادرون على وقف الحرب فهل يعقل أن تقوم فرنسا وألمانيا وروسيا بمعارضة الحرب بهذه الصورة القوية وهل فرنسا ضد الحرب لأنها مغرمة بالعراق أو بالنظام العراقي، إطلاقاً، وبالرغم من أنها دولة كبرى وقوية فهي تدرك أن هذه الحرب ستؤثر على مصالحها ومصالح أوروبا وعلى الأمن والسلم الدولي وعلى الاستقرار الدولي، ولذلك فالرئيس جاك شيراك ولا شك أنه رجل تاريخي اتخذ هذا الموقف من أجل الأمن والسلم الدوليين، ونفس الشيء فعل بوتين، ونفس الشيء المستشار الالماني وكذلك فعلت الصين وكذلك فعلت تشيلي التي تقع في أقصى جنوب القارة الاميركية وكثير من دول التي عارضت الحرب لا صلات بينها وبين العراق لكنها تدرك أن هذه الحرب ستهز الأمن والسلام العالمي فهل يعقل أن يقلق العلم كله من آثار الحرب القادمة ولا نقلق نحن العرب أكثر المتضررين من هذه الحرب.

* ألا تشعرون بقلق تجاه الموقف التركي المتعاون تماماً مع الحرب المعلنة على العراق؟

ـ لا شك ان الشعب التركي بأكثريته الساحقة يقف ضد الحرب ولا شك أن الحكومة التركية لا ترغب بالتورط بالحرب لكن هناك ضغوطا تحاول تركيا إيجاد مخرج منها ومع ذلك عندما حاول الاميركيون أن يفاوضوا وضعت تركيا شروطا. وفي المقابل هناك دول عربية قبلت بدون شروط وبدون مقابل بل تتكبد خسائر من هذه الحشود ومن الحرب القادمة.

* بينما تدعو سورية لمنع الحرب من الملاحظ أنها تستضيف عدداً من فصائل المعارضة العراقية الكردية والشيعية المؤيدة للحرب ألا يعتبر هذا تناقضاً في الموقف السوري؟ ـ المعارضة العراقية ضد الحرب والتصريحات التي تصدر عن المجلس الأعلى للثورة الإسلامية معادية للاميركيين ولا أعتقد أنهم سيتعاونون معهم، واميركا لا ترحب بالتعاون معهم، واميركا الآن وضعت أعضاء المعارضة جانباً ولا أدري ما السبب ولا أريد تقييم المعارضة على مختلف توجهاتها. في سورية هناك عراقيون وهم يعرفون موقفنا من الحرب وبالتأكيد هم يحترمون موقفنا، وأشك في كونهم سيتعاونون مع اميركا وخاصة المجلس الأعلى للثورة الإسلامية وهم لا يقبلون بأن يساندوا اميركا وهذا يتعارض مع مبادئهم وما يعلنونه وأنا مقتنع أن هذا التنظيم لن يتعاون معهم. أما الأكراد وأقصد الحزبين الوطني والديمقراطي الكردستاني وحسب معلوماتنا فاتصالاتهم لم تنقطع مع بغداد وهم في الوضع صعب بين ضغوط أميركية من جهة وحرصهم على عدم دخول حرب من جهة بين العرب والأكراد وخوفهم من دخول تركيا وتأثيرات ذلك عليهم وما سيؤثره على سياساتهم ونحن لا نريد أحكاماً مسبقة عليهم وعلينا انتظار التطورات القادمة.

* هل تتوقعون عودة العملية السلمية مستقبلاً خاصة في ظل التطورات التي تشهدها المنطقة حالياً؟

ـ الحديث عن العملية السلمية الآن كالحديث عن استجلاب المطر من القمر. الآن لا أحد يتحدث عن السلام والكل مشغول في كيفية منع الحرب ونحن في سورية لا نريد الذل الذي يطرحه أرييل شارون خاصة لأن القوة العظمى القادرة على فرض الحل تقف تماماً إلى جانب إسرائيل وتعتبرها جزءا من أمنها الاستراتيجي.

* كيف تستشفون المستقبل العربي فيما لو حدثت الحرب؟

ـ الآثار ستكون سيئة على الجميع وهذه الفترة لن تكون طويلة وستكون لها مفرزات ستشكل بداية رؤية واضحة والانطلاق مع مستقبل عربي آخر وجديد وبين الوصول لهذا المستقبل وبين الوضع الذي ستفرزه الحرب ستكون هناك فترة من الزمن مؤلمة لأنها ستكون مرحلة انتقالية للمستقبل الجديد الواعي وهذه الحرب ستفرز النقيض للعرب وان كان بالنسبة للحركة التاريخية للوضع العربي فإن النقيض يأتي متأخراً.

Facebook
Twitter
LinkedIn
WhatsApp