من الدعم العسكري الغربي إلى الحليف السوري.. كيف تغيرت وجهة طهران؟

الناشر: الراي الكويتية

تاريخ نشر المقال: 2010-12-18

Facebook
Twitter
LinkedIn
WhatsApp
عندما قررت أن أكتب هذا الكتاب، التزمت بالموضوعية في عرض الحقائق وتحليلها، وتجنب الانفعالات والمؤثرات. “لقد طرحت على نفسي سلسلة من الأسئلة وأعطيت إجاباتها بعد التفكير”، يقول نائب الرئيس السوري السابق عبد الحليم خدام في الفصل الأول من كتابه الذي يحمل عنوان “التحالف السوري الإيراني والمنطقة” والذي صدر قبل أيام. وهي أول مذكراته السياسية.

ويسرد السياسي السوري "المثير للجدل" بعض الأحداث التي شاهدها أو شارك فيها أو عرف عنها. ويكشف كيف فتحت دمشق أراضيها أمام نشاط طهران، وساعدتها على إقامة تحالفاتها الإقليمية في المناطق الملتهبة، من باكستان إلى أفغانستان، بما في ذلك العراق ولبنان وفلسطين. وقبل العودة إلى تفاصيل العلاقات السورية الإيرانية، يشير خدام إلى اهتمام الولايات المتحدة المتزايد بإيران منذ نهاية الحرب العالمية الثانية وبدء الحرب الباردة مع السوفييت. قدمت أمريكا مساعدات كبيرة لشاه إيران، حيث رأت في بلاده خط المواجهة ضد التوسع السوفييتي.
ثم يعرض كيف تستخدم واشنطن الملف النووي الإيراني كغطاء لقضايا كبرى تثير القلق والخوف لدى الغرب، وأهمها طبيعة النظام الإسلامي. ويرى خدام أن الخلاف بين واشنطن وطهران لم يبدأ بسبب احتجاز الرهائن الأميركيين في سفارتها بإيران، بل بدأ زمن انهيار نظام الشاه ووصول الخميني إلى طهران. ووصف أمريكا بـ"الشيطان الأكبر".

وبحسب خدام، فإن الولايات المتحدة وإسرائيل تشكلان عقبة أمام تحقيق أهداف إيران الإقليمية. لكنه يؤكد صعوبة الرهان الأميركي الهادف إلى زعزعة استقرار الوضع الداخلي في إيران، معتبرا أن التوترات الخارجية ستضعف قدرة المعارضة الداخلية. وفي أسس العلاقات السورية الإيرانية، يتتبع عبد الحليم خدام بدايات العلاقات بين دمشق وقادة الثورة، كما يتتبع الدور المحوري الذي لعبه رئيس المجلس الشيعي الأعلى في لبنان السيد موسى الصدر. . ويشرح كيف بدأت علاقتها مع إيران حتى اختارت سوريا توقيع معاهدة صداقة مع الاتحاد السوفييتي وإقامة تحالف مع الجمهورية الإسلامية.
ويكشف عن الأهداف السورية من التحالف مع إيران، وأهمها إسقاط النظام العراقي، مما جعل دمشق في حالة حرب مع العراق بينما تقاتل إيران. وقال خدام: “على الرغم من التناقض الأيديولوجي بين النظام العلماني في سوريا والنظام الإسلامي في إيران، إلا أن ذلك لم يؤدي إلا إلى تعزيز التحالف، حيث لم يتم الخلاف على القضايا الرئيسية”. ويعترف بأن "طبيعة النظام في دمشق لم تسمح لسوريا بأن يكون لديها استراتيجية طويلة الأمد، بل خلقت ساحة يمكن للنظام مناورة فيها، مما دفع سوريا إلى التفكير في شن حرب لتحرير الجولان بسبب عدم القدرة على ذلك". بناء الدولة ومؤسساتها".

في مجالات مهمة من المذكرات، يناقش خدام طبيعة علاقة الرئيس السوري الراحل حافظ الأسد بالسياسيين اللبنانيين وثقته بهم، وكذلك سبب عدم ثقته في السياسيين والسنة ذوي الأغلبية المسيحية. كما يشير إلى تاريخ الدخول الإيراني الأوسع والأكثر فعالية إلى لبنان خلال الغزو الإسرائيلي لأراضيه عام 1982. ويروي كيف تنامت النفوذ الإيراني في لبنان وطبيعة المهام التي أنجزها الحرس الثوري الإيراني على أراضيه.
يتناول المؤلف عدم اهتمام الرئيس حافظ الأسد بالنفوذ الإيراني والأطماع التوسعية. كما يصف الدعم السوري المستمر لحزب الله منذ إنشائه، بالإضافة إلى تفاصيل الخلاف بين دمشق والزعيم الفلسطيني الراحل ياسر عرفات، والذي أججته إيران.

ويروي خدام محادثة أجراها مع السفير الإيراني في بلاده، شملت العتبة من دمشق إلى طهران. وتساءل عما إذا كان من المعقول أن يكون وزن حزب الله في إيران أكبر من وزن سوريا.

وفي فصل مهم من المذكرات، يناقش خدام محاولات حافظ الأسد إيقاف الحرب العراقية الإيرانية منذ بدايتها بسبب تعنت صدام حسين. وتوقع البعض في الخليج أن يحقق العراق انتصارا سريعا، الأمر الذي أدى، مع أحداث أخرى، إلى خلل في العلاقات بين سوريا والخليج. ومن المهم أن نلاحظ.

كما يكشف خدام عن الدور الذي لعبه شخصيا في تقديم التطمينات لدول الخليج بشأن النوايا الإيرانية تجاهها، ومضمون زيارته لقياداتها، والأجواء السائدة في المنطقة وطبيعة العلاقات بين بلاده. كما يناقش مدى سهولة المصالحة بين العراق وإيران مقارنة بالمصالحة بين دمشق وبغداد.
ونشرت "الراي" أربعة فصول من كتاب خدام في حلقات. ويتضمن الجزء الأول، بعنوان "الجمهورية الإسلامية"، تعريفا تاريخيا وجغرافيا وسياسيا دقيقا لإيران، التي تقع في منطقة ذات تأثير كبير على الاقتصاد والأمن الدوليين. وقد منحها موقعها الاستراتيجي دورًا مهمًا عبر التاريخ.

ويشير خدام إلى أن دور إيران ظهر في القرن العشرين بعد نجاح الثورة الشيوعية في روسيا، التي برزت بعد الحرب العالمية الثانية عندما أصبحت سدا أمام المحاولات السوفييتية للتغلغل في المناطق الغنية بالنفط في الخليج. قدم الغرب الدعم العسكري والسياسي لإيران، وأصبح الشاه محمد رضا بهلوي أحد القادة الإقليميين الذين يتمتعون بأقوى العلاقات مع الولايات المتحدة. طموحاته في السيطرة على منطقة الخليج قادته إلى تأسيس حلف بغداد، كما ركز على استحضار تاريخ إيران قبل الإسلام.

وبعد انتصار الثورة الإسلامية في مارس 1979 بقيادة آية الله الخميني، دخلت المنطقة مرحلة جديدة، ليس فقط بسبب سقوط الشاه، مثل العديد من القادة الذين سبقوه، ولكن بسبب طبيعة النظام الجديد ومكوناته. الأهداف الثورية. ودعت الثورة إلى التغيير في العالم الإسلامي والتحرر من إرث الاستعمار الذي تجلى في عداءه للغرب بشكل عام والولايات المتحدة بشكل خاص. كما أثارت الخوف والقلق لدى الأنظمة الحاكمة في العالم الإسلامي، وخاصة في منطقة الخليج، وأثارت قلق الاتحاد السوفييتي من انتشار الثورة إلى الجمهوريات الآسيوية الإسلامية. أثارت الثورة الإسلامية في إيران قلق الغرب، حيث كان النظام الجديد محورياً لمصالحه الاستراتيجية في منطقة الخليج.
ويستمر الشيطان الأكبر.

وقال خدام: «بعد أيام قليلة من انتصار الثورة، أعلن قائدها آية الله الخميني عداء الثورة للغرب، مع التركيز بشكل خاص على الولايات المتحدة باعتبارها الشيطان الأكبر، وهذا الوصف يوحي بوجود صراع مستمر مع الولايات المتحدة. فضلا عن الصراع المستمر بين المؤمنين والشيطان ".

وأشار خدام إلى أن "الدول العربية، خاصة في منطقة الخليج، وكذلك الدول الإسلامية المتاخمة لإيران مثل باكستان، كانت قلقة للغاية بشأن الجمهورية الجديدة، وبدأت ترديد شعارات تطالب بالتغيير في كافة الاتجاهات. القلق والخوف من الثورة الإسلامية وتطورت إلى حرب ضدها، وكان في مقدمة هذه الحرب النظام العراقي بقيادة صدام حسين، المدعوم من الغرب بقيادة الولايات المتحدة ومعظم الدول العربية".
وأضاف أنه "حتى بعد مرور ثلاثة عقود على قيام الجمهورية الإسلامية الإيرانية، لا يزال الناس يتحدثون عن التهديد الإيراني، ولا يزال القلق يتزايد بسبب أهداف إيران وسياساتها، مثل تحرير فلسطين وإسقاط إسرائيل". منطقة الشرق الأوسط تشهد صراعا بين ثلاثة مشاريع استراتيجية، خاصة في المشرق العربي: المشروع الإسرائيلي، والمشروع الغربي بقيادة الولايات المتحدة الأمريكية، والمشروع الإيراني في ظل غياب مشروع عربي للدفاع عن المصالح. "العرب وسيادتهم وأرضهم. وهذا ما حول المنطقة العربية إلى ساحة صراع بين هذه المشاريع".

ورأى أن "النظام العربي الذي تأسس في مارس 1945 فشل في أن يصبح مشروعا عربيا نظرا لطبيعة الأنظمة القائمة من جهة، والعوامل الخارجية المؤثرة في سياسات معظم الدول العربية وغلبة المصالح الضيقة على المصالح الوطنية". من جهة أخرى، وهذا مصدر للقلق".

ويطرح نائب الرئيس السوري السابق عدة أسئلة تتعلق بإيران ودول المنطقة للإجابة عليها، منها:

"أولا، هل الجمهورية الإسلامية الإيرانية هي جمهورية فارسية تستحضر تاريخ الفرس للانتقام من العرب؟ جوابي بسيط: الجمهورية في إيران هي جمهورية إسلامية وليست على أساس العرق. إيران دولة مصنوعة". هناك خمس قوميات، أكبرها الفرس، وأي ميل نحو الحدة الفارسية سيؤدي إلى انقسام الدولة في إيران.
ثانياً، مسألة الخطر والقلق هي مسألة نسبية مرتبطة بالسياسات من جهة وبطبيعة الأنظمة من جهة أخرى». ويوضح أن «إيران تنتهج سياسات في المنطقة وعلى الساحة الدولية لا تتوافق مع سياساتها». سياسات معظم الدول العربية، ولكنها تتعارض معها بشكل جذري. وهذا مصدر قلق لهذه الدول. وينشأ الخوف من التوترات والخلافات التي تؤدي إلى الصدام بين إيران وهذه الدول.

ثالثا، هل إيران جادة في تنفيذ مشروعها الاستراتيجي في المنطقة وبناء الدولة القوية القادرة على مد نفوذها من لبنان إلى أفغانستان وتكون تلك الدولة المرجعية والقائدة لشعوب المنطقة؟ الجواب واضح: نعم. إيران جادة في تحقيق مشروعها الإقليمي، آخذة في الاعتبار أنها لن تلجأ إلى استخدام القوة العسكرية لتحقيق مشروعها. فهو لن يشن حرباً خارج حدوده الوطنية لأنه يعرف الأضرار الكبيرة للحروب وتعلمها خلال الحرب مع العراق. كما أن استخدامها للقوة العسكرية سيضعها في مواجهات متعددة مع الدول العربية ومع الغرب الذي يسعى دائماً لحماية مصالحه، وفي مقدمتها النفط. ولن تقاتل إيران وتستخدم قوتها العسكرية إلا في حالة وقوع عدوان خارجي. إيران تعمل على تنفيذ مشروعها الإقليمي مستغلة الأحداث والظروف. كل حدث يمنحه الفرصة."
«حزب الله» وطهران

وتطرق خدام إلى دور "حزب الله" في استراتيجية إيران الإقليمية، مسلطا الضوء على أهميته في لبنان والذي تعتبره بعض الجماعات اللبنانية تدخلا إيرانيا وتهديدا لوحدة البلاد وهويتها. كما سلط الضوء على أهمية النظام السوري في استراتيجية إيران، ليس فقط على صعيد العلاقات مع سوريا، بل أيضاً في استخدامها كمنصة لأنشطتها الإقليمية. وعلى نحو مماثل، تلعب المنظمات الفلسطينية المتحالفة مع حلفاء إيران في العراق أدواراً حيوية في ساحاتهم، بهدف حماية سياسات إيران الإقليمية، بدلاً من تغيير النظام.

وتساءل خدام عما إذا كانت المشكلة بالنسبة للدول العربية هي طموح إيران إلى أن تصبح دولة كبرى يتجاوز نفوذها حدودها الإقليمية. وأوضح أنه في حين أن الطموحات التي تتجاوز الحدود الوطنية تشكل مصدر قلق للدول الأخرى، إلا أن هناك جانبا آخر مرتبطا بالدول التي تقع ضمن دائرة الطموحات.
وفي الختام، قال خدام إنه بينما تشكل الأطماع الإيرانية مصدر قلق للدول العربية، فإن الخطر الحقيقي يكمن في عدم إدراكها للواقع ومخاطره. ويرى أن قدرة الأنظمة العربية على اتخاذ القرارات غير محدودة، لكن قدرتها على تنفيذها معدومة. وأكد أن المشروع الإيراني لا يتعارض فقط مع مصالح بعض الدول العربية، بل أيضا ضد مصالح الغرب وعلى رأسهم الولايات المتحدة. وهو يثير إمكانية تشكيل خط تعاون وتحالف بين إيران والدول العربية على أساس معارضتهم المشتركة لإسرائيل، لكنه يعترف بأن القوى الإقليمية والدولية ستحكم الأمور في نهاية المطاف. ولذلك ستبقى المنطقة ساحة صراعات وإرهاق حتى تتمكن الدول العربية من تثبيت نظامها، وتوحيد جهودها، والتغلب على واقعها، وبناء واقع جديد يقوم على إرادة الشعوب، وقواعد العلم والمعرفة، القدرة على التمييز بين الخطوط الفاصلة بين الأصدقاء والأعداء.

 
Facebook
Twitter
LinkedIn
WhatsApp