رسالة من خامنئي إلى الأسد عام 1986: صدام سيسقط… ومشكلتنا مع الخليج ستحل  (5)

الناشر: المجلة AL Majalla

الكاتب: ابراهيم حميدي

تاريخ نشر المقال: 2024-02-23

Facebook
Twitter
LinkedIn
WhatsApp

استمرار التوتر بين إيران والسعودية… والأسد يواصل وساطة اللحظة الأخيرة لـ “اطفاء الحرائق”

AlMajalla

في الحلقة الخامسة و الأخيرة من “حرب الناقلات” في الخليج في ثمانينات القرن الماضي، تنشر “المجلة” وثائق سرية سورية عن المرحلة الأخيرة من هذه الحرب.

كانت “حرب الناقلات” بدأت في خضم الحرب العراقية –الايرانية، اذ انه في نوفمبر /تشرين الثاني 1982، بدأت القوارب العراقية، باستهداف المصالح الايرانية، الامر الذي ردت عليه طهران بقصف مصالح عراقية وخليجية. حاول الرئيس السوري حافظ الأسد التوسط بين الطرفين، مستفيدا من علاقته مع ايران.

وتسببت الهجمات البحرية الإيرانية في الانخراط العسكري الأميركي لأول مرة بشكل مكثف في الخليج وأدى إلى مواجهات أميركية مباشرة مع القوات الإيرانية، بما في ذلك عملية في 1988، وكانت أكبر عملية بحرية سطحية منذ الحرب العالمية الثانية وقامت المقاتلات الاميركية بتدمير منصات النفط الإيرانية.

في يوليو/تموز 1988، أطلق بحارة أميركيون من سفينة “يو إس إس فينسنس” الحربية النار على طائرة إيرانية مدنية، ما أسفر عن مقتل 300 مدني. وبعد شهر ، في أغسطس/آب، قبلت إيران وقف إطلاق النار في الحرب الدامية

رغم جهود الأسد بين السعودية وإيران، فقد استمر التوتر واستمرت الوساطة لاحتوائه، وكثرت في تلك المرحلة الرسائل بين الرياض ودمشق التي اطّلعت عليها “المجلة”.

في 12 أغسطس/آب 1986، أبلغ رفيق الحريري الوزير خدام النقاط التالية:

أ- فيما يتعلق بجزيرة سرى، فإن المملكة لا علاقة لها لا من قريب ولا من بعيد بهذا الموضوع، ولا يمكن للمملكة أن تقوم بعمل كهذا على الإطلاق، وبالتالي فإن كلام الإيرانيين عن أن المملكة ساعدت العراق لضرب جزيرة سرى غير صحيح، ولا يستند إلى أية حقيقة، والمنطق يرفضه. ولو كانت المملكة تساعد العراق بالشكل الذي يقوله الإيرانيون لتغيرت أمور كثيرة في الحرب.

ب- أما فيما يتعلق بالأنبوب النفطي العراقي المار بالأراضي السعودية، فهذا غير قابل للنقاش، وقد مضت عليه عدة سنوات وإثارته الآن هي من قبيل التشويش لا أكثر، فالمساعدات المالية للعراق قد توقفت منذ زمن بعيد ونحن ندعو دائما لوقف هذه الحرب التي تدمر البلدين الإسلاميين.

ج- أما فيما يتعلق بموضوع الحقائب والمتفجرات، فهذا أمر واضح، وقد كشفها رجال الجمارك السعوديون، والتحقيق ما زال مستمرا مع هؤلاء الأشخاص الذين أتوا بها ونحن لا ندري من الذي دسها، ولكن إذا كانت إيران فعلا لا علاقة لها بالحقائب التي جاءت مع الحجاج الإيرانيين القادمين من أصفهان، إلى جدة، فكيف نفسر ضرب إيران السفن الخليجية قبل عملية جزيرة سرى وبعدها، فهذا أمر المنطق يرفضه. أما قول الإيرانيين إن عملية الحقائب مختلقة، فهذا أيضا أمر لا يقبله عاقل، وليس من عادة المملكة أن ترتب هكذا أخبار، علما أن الذي كشف الحقائب هي الجمارك السعودية وقد ظنوها لأول وهلة نوعا من الجبنة ولكن تبين للخبراء أنها متفجرات”.

كما تناولت أمور الحج وسلوك حجاج إيرانيين ومسائل أخرى، منها: “بين السعودية وإيران خطوط حمراء متفق عليها من أيام الشاه والخميني، وخرائطها موقعة من الجانبين السعودي والإيراني، ومع ذلك تخطت إيران الخطوط الحمراء السعودية وضربت بواخر آتية أو خارجة من عندنا مستعملة جزيرة أبو موسى وهي جزيرة عربية”.

الرياض لدمشق: إيران تخطت الخطوط الحمراء السعودية التي وقعها الشاه ثم الخميني وضربت سفنا تتعامل معنا، مستخدمة جزيرة أبو موسى العربية

وطلب تذكير الرئيس الأسد بجهوده، حيث إن إيران “مستمرة بتصرفاتها، إما من ناحية ضرب البواخر أو إرسال المتفجرات أو الحملات الإعلامية في الصحف الإيرانية”. وجدد الطلب من الأسد كي “يبذل جهده للمرة الأخيرة مع إيران لوقف هذا الأمر”.
وفي 20 أغسطس 1986، سلم خدام السعوديين مضمون رسالة من خامنئي للأسد، وفيها:
1- لدى الرئيس الإيراني معلومات أن السعودية قدمت مساعدات جدية مكنت الطائرات العراقية من الوصول إلى جزيرة سرى.
2 ـ هم وافقوا على وقف قصف البواخر على أساس ممارسة الضغط على صدام حسين من أجل وقف قصف البواخر الإيرانية أو المتوجهة إلى إيران، وذلك بوقف المساعدات المالية والنفطية عن العراق، وأن من المساعدات الأنبوب العراقي النفطي عبر الأراضي السعودية.
3 ـ موضوع الحقائب نفاه الإيرانيون بشكل قاطع، وأبلغوا ذلك للقائم بالأعمال السعودي في طهران، وطلبوا المشاركة في التحقيق لمعرفة هؤلاء الناس ومن وراءهم، وهم يعتقدون أن هناك أحد احتمالين:
أ- إما أن يكونوا إيرانيين معادين للجمهورية الإسلامية ومدسوسين للقيام بهذه العملية للإساءة للعلاقات الإيرانية- السعودية وللحجاج الإيرانيين.
ب- وإما أن تكون القصة مختلقة، وذلك للإساءة إلى إيران ولتغطية عملية قصف جزيرة سرى”.
وقال الرئيس خامنئي للأسد: “حريصون على العلاقات مع السعودية بشكل خاص ودول الخليج بشكل عام”. وقال إنه ليست هناك خلافات استراتيجية بين إيران والسعودية ولكن الخلاف يتعلق بمشاكل تبرز بين وقت وآخر، وهم حريصون على حلها بالحوار وبالوسائل السياسية، وتمنى الرئيس الإيراني على الأسد أن يتابع اتصالاته وجهوده لحل هذه الإشكالات.

 

AFPAFP

الرئيس السوري حافظ الأسد ووزير الخارجية السعودي الأمير سعود الفيصل في 16 ديسمبر 1998

أبلغ خدام الحريري أن الإيرانيين لن يتوقفوا، وأن الأسد، و”حينما يتعلق الأمر بالسعودية فسوريا ليست على الحياد”. وأشار خدام في أوراقه إلى أن استمرار القصف الإيراني على سفن سعودية، كان محرجا للأسد. وأن السعودية “تريد وقف الاتصال السياسي إذا كانت الجهود الراهنة للرئيس حافظ لم تسفر عن شيء”.
كان تقدير الأسد أن “الجو بالغ التوتر والتعقيد، وقد يتطور الوضع إلى انخراط الخليج في حرب ضد إيران وعندئذٍ يشكل ذلك تطورا خطيرا في الوضع، وسيؤدي إلى وضع سوريا في موقف شديد الحراجة والحساسية، فالوقوف مع إيران يعني قطع علاقاتنا بالعالم العربي، والوقوف ضد إيران يعني خسارة استراتيجية كبيرة، وفي كل الأحوال فإن صدام حسين وإسرائيل سيكونان الكاسبين من هذه التطورات”.
طلب الأسد من خدام التوجه إلى طهران لمناقشة الوضع مع قيادتها، والتقى خامنئي قبل توجهه مع الأسد إلى ليبيا، الساعة الحادية عشرة بتاريخ 23 أغسطس 1986، وقال خدام إنه “انطلاقا من العلاقات الأخوية القائمة بيننا، وفي ضوء ما نقله وزير الخارجية عن رغبتكم في أن يتابع السيد الرئيس الجهود بين السعودية وإيران. فقد أبلغ الرئيس الملك فهد وجهات نظركم حول المواضيع التي بحثها وزير الخارجية خلال زيارته الأخيرة لطهران وقد جاءت أجوبة واضحة على النقاط المثارة”.

الأسد لخامنئي: من مصلحة صدام حسين توسيع رقعة الحرب في المنطقة لتشمل دولا أخرى

ثم عرض خدام بالتفصيل الموقف الذي نقل من الرياض. وقال لخامنئي: “الرئيس حافظ انطلاقا من كون سوريا وإيران تقفان في خندق واحد لمواجهة كل أشكال التآمر الإمبريالي والصهيوني والرجعي مما يجعل هناك وحدة في مصالحهما السياسية وفي مواقفهما، وقد أثبتت كل الظروف الماضية طبيعة العلاقات وخصوصيتها بين البلدين وحرص كل منهما على الآخر. انطلاقا من كل ذلك يود السيد الرئيس من أخيه الرئيس علي خامنئي ومن قيادة الثورة الإسلامية في إيران أن يستذكروا معه تحليلاتنا المشتركة السابقة واستنتاجاتنا حول الوضع في المنطقة.
لقد تبين لنا في تحليلاتنا السابقة المشتركة ما يلي:
1.    إن مصلحة صدام حسين توسيع رقعة الحرب في المنطقة لتشمل دولا أخرى، وبالتالي لتقوية جبهته بإشراك أكبر عدد من الدول العربية، لأن من شأن ذلك أن يوفر له دعما واسعا وأن يشغل الثورة الإيرانية في سلسلة من الحروب والمعارك الهامشية.
2.    إن من مصلحة الإمبريالية العالمية لاسيما الإمبريالية الأميركية توسيع الصراع ليشمل دولا عربية أخرى مما يزيد حاجة هذه الدول إلى الحماية والمساعدة الأميركية بشكل كامل في دائرة القرار الأميركي ليستخدمها لتطويق الثورة الإسلامية في إيران ومحاصرتها واستنزافها وضربها ومحاصرة القوى التقدمية العربية.
3.     إن استمرار ضرب البواخر المتعاملة مع السعودية، القادمة إلى السعودية أو الخارجة منها، قد يؤدي إلى ردود فعل سعودية بالتصدي للطائرات الإيرانية وضربها، وبالتالي فإن ذلك يعني توسيع الحرب، وهنا سيتحقق ما يلي:
أ‌.    ستكون المعركة الرئيسة للسعودية وللدول الخليجية والدول العربية التي تساندها، مع إيران، ويصبح الصراع مع إسرائيل كأنه غير موجود.
ب‌.    ستؤدي هذه الأعمال إلى إزالة كل حاجز بين مجموعة الدول العربية في الخليج والدول التي تساندها، وبين نظام كامب ديفيد في مصر، بل سيؤدي ذلك إلى تلاحم وإلى مزيد من التلاحم بين هذه المجموعة والعراق ومصر…”.

 

AFPAFP

الرئيس السوري حافظ الأسد و”المرشد” الايراني علي خامنئي في 9 ديسمبر 1997

وختم خدام كلامه: “انطلاقا من رؤيتنا المشتركة وتوجهنا التقدمي ومصلحة الثورة الإسلامية والقوى التقدمية العربية، نرجو من أشقائنا في إيران تلافي هذا التصعيد في الموقف مع السعودية ودول الخليج واستعادة الحوار الذي يؤدي إلى تحسين الموقف، وإننا إذ نقترح عليكم هذا الاقتراح فإنما ننطلق من الثقة القائمة فيما بيننا”.

الأسد يبلغ خامنئي أن توسيع الحرب مع السعودية سيزيد التلاحم مع العراق ومعسكر كامب ديفيد المصري

حسب محضر اجتماع خدام وخامنئي، قال الرئيس الإيراني: “أنا أرغب في أن أشكر أخي الرئيس حافظ الأسد شكرا جزيلا، وأنا أشكره لاهتمامه بهذا الموضوع الذي يضمن مصالحنا ومصالح المنطقة، وكذلك لبياناته وكلامه الأخوي الناصح، أنا أؤيد تحليل سيادته بصورة تامة. وكما أشار سيادته، فإن هذا الموضوع كان قد تم طرحه بمحادثاتنا المباشرة وبمراسلاتنا الكتابية، ولكنني أريد أن أبين بعض النقاط تكملة لوجهة نظر سيادته أو تعليقا عليها”. ثم علق على النقاط الواردة في الموقف السعودي.

 

Getty ImagesGetty Images

الرئيسان السوري حافظ الأسد والعراقي صدام حسين في دمشق في 28 ينابر 1979

وتابع: “أما بالنسبة لكلمات الرئيس حافظ الأسد، فأنا أؤيدها، وإننا لا نرغب في أن يتوسع نطاق الحرب، بل نتجنب هذا واجتنبناه، وهذا واضح في أعمالنا، ولكن عدم رغبتنا في توسيع نطاق الحرب، يجب أن لا يفهم منه أن الثورة الإسلامية مستعدة لتقبل أي كلام يفرض عليها، إذا كان علينا أن نقبل منطق القوة فلن نقبل هذا منه”.

خامنئي يرد

وكرر خامنئي موقفه: “لدي اقتراح، وهو أن يعلن السعوديون بصورة واضحة ورسمية أنه إذا هاجم العراقيون البواخر الإيرانية فإنهم سوف يقطعون المساعدات التي تقدم للعراق من خلال إعطائه التسهيلات في الطرق والموانئ والأجواء وكذلك المساعدات المالية. إذا أعلن السعوديون هذا وإذا عملوا بهذا الموضوع فإننا لن نضرب سفينة سعودية واحدة حتى وإن ضرب العراق مائة سفينة، ليأخذ السعوديون هذه الخطوة، ونحن جاهزون. حتى الكويت يمكن أن تقوم بهذا، ما رأيكم؟”.

وثائق خدام عن خامنئي: إذا أعلن السعوديون عدم مساعدة صدام فلن نضرب سفينة سعودية واحدة حتى وإن ضرب مائة سفينة، ليأخذ السعوديون هذه الخطوة وكذلك الكويت

وجرى نقاش بين خامنئي وخدام الذي أيد الموقف السعودي، وقال: “فيما يتعلق بالغارة على جزيرة سرى، أنا لست فنيا ولكن حسب معلوماتي العامة فإن هناك عدة احتمالات، والاحتمال الأساسي أن الطيران العراقي وصل إلى جزيرة سرى بشكل مباشر، (الميغ-25) تستطيع الوصول ولكنها ليست قاذفة”. وعلق خامنئي: “الروس أعطوهم التجهيزات الكافية لتقوم (الميغ-25) بقذف القنابل، فهذه الطائرة في الأساس طائرة مقاتلة”.
وقد جرى نقاش فني حول الطائرات والرادارات والصواريخ، ثم قال خامنئي: “حول الحل الذي طرحته، أنتم تستطيعون سؤال السعوديين هل هم سعداء، عندما تضرب السفن الإيرانية؟ إذا كانوا غير مرتاحين لهذا العمل فإعلان (وقف المساعدات) أمر مهم”.
ومضى خامنئي قائلا: “أنتم موضع ثقتنا. أبلغ السيد الرئيس: إن شاء الله كل هذه الأمور سوف تحل بسقوط صدام، سمعت أن هذا أصبح ضروريا، إذا انتهى صدام فسوف تحل المشكلة مع الخليج أيضا”. وقال: “إن علاقاتنا مع السعودية تنتابها مشاكل، بينها: مساعدتهم للعراق. مشكلة أوبك، وكنا نسألهم دائما لماذا تتلاعبون بالأسواق (البترولية)، وقد خفت هذه المشكلة الآن، إذا حلت مشكلة صدام فستحل أمور كثيرة، ونأمل أن يسقط صدام قريبا”.

وبعد عودة خدام من إيران، أبلغ الرياض نتائج زيارته لطهران. وكتب نائب الرئيس السوري في أوراقه: “كانت الاتصالات بيننا وبين جميع دول الخليج مستمرة، وكانت إيران دائما موضوعها الأساسي، فأي عمل تقوم به إيران كان يثير القلق لديهم ويعتبرون أن هذا العمل الإيراني يجب أن لا يحدث رغم وقوفهم الكامل إلى جانب العراق، وكانت سوريا هي الجهة التي يجري الحديث معها بحكم العلاقات القائمة بيننا وبين طهران”.
في تلك المرحلة، كثرت التوترات بين المملكة العربية السعودية والكويت من جهة، وإيران من جهة ثانية، بسبب مسألة ناقلات النفط ونتائج الحرب مع العراق، بالإضافة إلى أحداث الحج في سنتين متتاليتين. وفي الأخيرة وقع صدام بين الحجاج الإيرانيين والأمن السعودي أدى إلى مقتل عدة أشخاص”.
ويختم: “في جميع هذه الظروف كان دور سوريا إطفاء الحريق وتهدئة الأوضاع خوفا من تطورها، وهذا الأمر كان بالغ الخطورة”.

Facebook
Twitter
LinkedIn
WhatsApp