كيف يلتف الروس على الحقائق.. وما سرّ موقفهم من الثورة السورية؟

الناشر: القدس العربي

الكاتب: د. عمار البرادعي

تاريخ نشر المقال: 2012-10-14

Facebook
Twitter
LinkedIn
WhatsApp

  رغم مرور عام ونصف بالتمام على الثورة السورية، إلا أن ما يُحيّر الكثيرين حتى الآن معرفة خفايا الموقف الروسي منها وحقيقته .إلى أي حد يمكنه أن يذهب في دعمه للنظام الجزار والمدان من العالم أجمع، وماذا يعني اضطراره للإعلان في الآونة الأخيرة عن عدم تمسكه ببقاء بشار، شريطة عدم اشتراط رحيله قبل البدء بأي حوار مع نظامه. ثم، هل يُقلقه البديل فقط كما يوحي، أم أن ما يهمه استمرار الحفاظ على مصالحه بنفس السياق الذي كانت تُحفظ من خلاله في الماضي أيا كان هذا البديل ؟ في المقابل، وبدرجة لا تقلّ من الحيرة، لا أستطيع الجزم حول حقيقة الموقف الأميركي، رغم إعلان أكثر من مسؤول رفيع إدانته لفظاعات النظام وضرورة رحيله، وإبداء ‘التعاطف’ مع الشعب السوري وثورته بعبارات تكرر ذاتها، وهو ما أعاد تأكيده بحزم كلامي أيضا الرئيس أوباما في كلمته أمام الأمم المتحدة. إلا أن هذا الكلام لم تعكسه أي خطوة عملية بالمستوى الذي تعبّر عنه، ولا أعني بذلك حتمية التدخل العسكري، وإنما الفعل الذي يُترجِم التصريحات الكلامية المتلاحقة. بل رأينا وسمعنا طوال الفترة الماضية من عمر الثورة، كيف عمدت الولايات المتحدة كلما استشرس نظام بشار أكثر إلى إعطائه مهلة تلو أخرى، بدل حسم موقفها من ‘أزمة’ شلال الدم المتدفق كل يوم على أيدي قواته وشبّيحته، مع حرصها على تكرارالدعوة إلى التهدئة والحوار وما شابه من الطرح الذي يدنو عن مستوى سقف انتصار الشعب من بوابة الثورة المباركة. ولعل أبرز مثل طازج يؤكد هذا التوجّه، ما كشفته مؤخرا وكالة الأناضول التركية في تقرير إخباري لها حول وجود اتفاقية سرية بين الحكومتين العراقية والإيرانية ــ المتخندقتان بالكامل مع بشار وشبّيحته ــ على توريد السلاح الى النظام السوري عبر الأجواء العراقية، بعلم الولايات المتحدة وموافقتها على ذلك وإذا كان هذا التقرير قد أرجَع دوافع الموقف الأمريكي إلى عدم رغبة الولايات المتحدة في التدخل، وعدم تحبيذها إنهاء الوضع السوري في هذه المرحلة لأسباب إنتخابية، فإنه لا يغيب عن الذهن أن هذا الموقف قديم ويعود لبداية انطلاقة الثورة في مدينة درعا، وليس لمرحلة الإنتخابات ولا لخوف إدارة أوباما من أن تنعكس مغامرة تدخله سلبا في صناديق الإقتراع، على حسب ما أوردت ذلك وكالة الأناضول التي قالت أيضا أن الخط الأحمر الذي سيدفع إلى التدخل ــ بالنسبة لواشنطن ــ هو قيام نظام بشار باستعمال سلاحه الكيماوي ـ أي ليس إبادة شعبه باستعمال الطيران الحربي والأسلحة الثقيلة. روسيا على حقيقتها وبالعودة للموقف الروسي الذي أخذ يزيدنا حيرة باستمرارعناده نتساءل: بأي منطق يستمر الروس في دعم نظام بشار وهم على علم بما خفي على البعض من بواطن حليفيه الإيراني والعراقي قبل نشر النيويورك تايمز ومن بعدها الشرق الأوسط (عدد الأحد 7 الجاري) جوانب من وثائق ويكيليكس كشفت عن قيام جلال الطالباني بإبلاغ السفير الأميركي في بغداد بأن الأسد طلب منه إبلاغ الولايات المتحدة أن سياسته هي نفس سياسة والده، وأنه على استعداد للحوار مع إسرائيل (في ظل شعار الممانعة) والمجيء إلى واشنطن إذا تلقى رسالة دعوة من أجل تحسين علاقاتها معه. كما كشفت الوثائق ذاتها كيفية فتح قاسم سليماني قائد فيلق القدس الإيراني خطا مع الولايات المتحدة عن طريق الطالباني أيضا ‘من أجل العمل على تثبيت مصالحهما معا في العراق’، وكيف أقسم للأميركان بقبر خميني على أنه لن يمسّهم، ولم يخوّل أحدا بإطلاق رصاصة واحدة عليهم معا؟ في ظل هذا الوضع الذي لا تقبل الصمت على غرائبه دولة صغرى، بدأنا نسمع ونرى غرائب في اهتمامات موسكو بتحركات هامشية لا قيمة لها، ولا تنسجم مع حجم دولة كانت القطب الثاني في هذا العالم، وقد وصلت في آخر الأمثلة على ذلك إلى حد التطبيل الرسمي والإعلامي للقاء وزير الخارجية سيرغي لافروف مع ما أُطلق عليه ‘وفد مجلس الشؤون العربية والدولية’، وهو اسم مستحدَث لهيئة أو تركيبة لم نسمع عن وجودها من قبل، إلا من خلال بيان يتيم أصدرته وزارة الخارجية الروسية بتاريخ 17 أيلول / سبتمبر الماضي، قالت فيه أنه يضم عددا من المسؤولين الروس والعرب السابقين (أي لا سلطة لأحد فيهم ولا قوة قرار )، وهم الرئيس السابق للاتحاد البرلماني العربي محمد صقر ورئيس الوزراء العراقي السابق إياد علاوي ووزير الخارجية المغربي الأسبق محمد بن عيسى ورئيس الوزراء الأردني السابق طاهر المصري ورئيس الوزراء اللبناني السابق فؤاد السنيورة أما موضوع هذا اللقاء فقد تمثّل في ‘بحث سبل حل الأزمة السورية وقضية الشرق الأوسط ..وتطبيع الأوضاع في العراق وليبيا’، كما ورد نصا في بيان رسمي أصدرته الخارجية الروسية نيابة عن المشاركين فيه، بكل ما في هذا العنوان الكبير من عمومية مطّاطة. ولهذا كان من الطبيعي جدا أن لا يخرج عنه غير نص إنشائي يتناول العموميات، من قبيل النص على ‘إدانة المشاركين بشدة جميع مظاهر الإرهاب، والتأكيد على ضرورة احترام التاريخ والقيم الثقافية والدينية، والتمسك بحل كافة المشاكل بطرق سياسية ودبلوماسية عبر حوار واسع’ … إلى آخر الكلام الذي يخلط بين الجزار والضحية دون تفريق أو تمييز وضوح وضبابية في لقاء واحد. كان هذا آخر ما وصلنا قبيل انعقاد الجمعية العامة للأمم المتحدة، حول نشاط لافروف ووزارته على صعيد حل ‘الأزمة السورية’ خارج إطار التحرك الرسمي الدولي الذي نسمع أخباره اليومية كما لو كانت منسوخة عما سبقها على ورق الكربون .، فهل هذا كل ما في جعبة روسيا، أم أن فيها مما لم يُعلَن خارج الغرف المغلقة؟ الجواب على ذلك: نعم و لا في الوقت نفسه. بمعنى ثمة تفاصيل يحاول الروس إدخالها كجدبد على موقفهم القديم الثابت بعناد، لكنها كلها عموميات محيّرة تستهدف مضيعة الوقت. وهذا ما طالعناه في محضرالحوار الذي دار في باريس بتاريخ 9 أيلول المنصرم بين ميخائيل بوغدانوف موفد الرئيس الروسي ونائب وزير الخارجية، وعبد الحليم خدام، نائب الرئيس السوري سابقا، الذي يُعتبر مهندس العلاقات السورية ـ الروسية. هنا نص حرفي لأبرز ما ورد فيه، يؤكد على عدم وجود جديد جدي لديهم، كما يعطينا أمثلة على أسلوبهم في الإلتفاف على الحقائق وما يواجهونه من تساؤلات: بوغدانوف (مستهلا اللقاء): سوريا بلد حبيب وعزيز علينا .. ولكن الوضع هناك صعب جدا. خدام : أتمنى أن أسمع منك الدوافع الأساسية للسياسة الروسية الحالية. أنا كنت مهندس هذه العلاقات (بيننا)، وكان الشعب السوري والعربي أيضا ينظر إليكم كصديق وحليف. أما الآن فيؤسفني القول أن العرب بدأوا ينظرون إلى الأميركان كحليف ومنقذ، وإليكم كمنقذ لهذا السفاح بشار . بوغدانوف: هذا تبسيط للأمور. نحن على صلة بالجميع. أنا كنت في العراق وكردستان، والرئيس مرسي اتصل اليوم ببوتين، وأنا على صلة مع كل أطياف المعارضة. مع حلفائنا في التنسيقية ومع مناف طلاس. نحن لا ندافع عن بشار ولقد ذهبتُ مرتين إلى دمشق في آب وشباط الماضيين. بشار يرتكب أخطاء كثيرة ومميزة ولكن لا يزال يعتمد على شرائح واسعة وليست بسيطة من الشعب السوري. خدام : هذا التقييم غير دقيق، لأنه رغم القتل يخرج الشعب السوري إلى الشارع. كل سوريا خرجت ضده. بشار يرتكب مجازر لم ترتكبها النازية ولا ستالين، فكيف تُصوّر أن هناك قسما لا بأس به مع بشار؟. هناك مجموعة معيّنة تمثّل الفساد. بشار يضرب شعبه بالطائرات والدبابات، فكيف يمكن التصوّر أن قسما من الشعب معه ؟. أنا أعتقد هذا الكلام غير دقيق. وصدقا ما تسمعونه غير ما نسمعه. نحن في الشارع العربي الغاضب من مواقف إيران وروسيا، لأنه من المفترض أن موسكو لا تقف إلى جانب القاتل. إنكم ترفضون اتخاذ قرار بمعاقبة الذين يرتكبون جرائم وترفضون لجنة تحقيق دولية بوغدانوف: نحن لا ندافع عن النظام وبشار. نحن نؤيد تشكيل لجنة تحقيق دولية، أما فيما يخص الموقف الروسي فقد كانت هناك قمة الثمانية التي خلصت الى بيان ختامي بالتوافق، وكانت كذلك قمة مكسيكو مع أوباما، وكذلك مجموعة العمل في جنيف من أجل إيجاد حل سياسي مناسب للجميع على أسس دولية، ولكن مجلس الأمن رفض تبني بيان جنيف …. (واستطرد متسائلا) :.. وماذا عن الجرائم التي يرتكبها الطرف الآخر. هناك الشيشان والقاعدة ؟. خدام: الشعب السوري يدافع عن نفسه ولا وجود للقاعدة. الشعب السوري وسطي، ولكن الظلم والإستبداد والقتل وعجز المجتمع الدولي عن اتخاذ قرارات حاسمة إزاء ذلك، جعل الناس تناشد الله لإنقاذها. مؤتمر جنيف لم يفعل شيئا للشعب السوري. لا حلّ إلا بإجراء تغيير جذري ومحاكمة الذين ارتكبوا الجرائم، حيث لا توجد مدينة ولا قرية إلا أصابها الدمار….. (ثم تساءل): كيف ترى روسيا العمل على مساعدة الشعب السوري والخلاص من هذا النظام، وهل يستحق بشار الاستمرار؟. بوغدانوف : لم نقل أن بشار شرط للحل، وبوتين قال إذااستقال نرحّب بذلك. خدام : .. وإذا لم يستقل ماذا ستفعلوا ؟. بوغدانوف :نحن مع تغيير النظام. خدام: أنتم ترون الدم يسيل ومع ذلك ترسلون له السلاح . بوغدانوف: لا نُرسِل أسلحة، لقد انسحب كل الخبراء .(………………..) بوغدانوف: نحن نقول أنه علينا كمجتمع دولي أن نعمل على خلق الظروف داخل سوريا لوقف القتال، وإطلاق سراح المعتقلين، وإجراء انتخابات في أقرب وقت. خدام: أي انتخابات؟ لا حل إلا بتغيير النظام وليس إلغاء الدولة، ثم تشكيل حكومة تكنوقراطية لديها صلاحيات. هذا هو المدخل. لا نريد أن يضيع مستقبل الشعب في المؤتمرات، نحن نطالب بإجراءات عملية تُساعد على إسقاط النظام. موقف روسي واضح يُعلَن فيه عن وقف دعم بشار بالسلاح والعتاد، ويدعم حق الشعب السوري في تقرير مصيره. هذا الموقف يأخذه السوريون بعين الإعتبار ونستطيع من خلاله القول للدول العظمى تفضّلوا، لأن على عاتق هذه الدول تقع مسؤولية كبيرة في النهاية تجاه ما يجري في سوريا. بالنسبة لي، بعد اندلاع الثورة بشهرين أصدرت بيانا طالبت فيه المجتمع الدولي بالتحرّك والتدخل، لأنه إذا لم يحدث ذلك فإن سوريا ستُصبح مرتعا لكل المتطرفين وملاذا آمنا لهم، وسوف تتضرّر مصالح الدول العربية والكبرى في المنطقة. لا أحد يرى هذه النظرة وينطلق منها مع الأسف (في تحديد موقفه). بعض أطراف المعارضة لا يرى الأمور بعمق، ويتمسك برفض التدخل الدولي حفاظا على كرامة سوريا. الآن، أين هي كرامة سوريا والسوريين ؟ الآن إيران تتدخّل بشكل مباشر وهناك أكثر من خمسين ضابطا من الحرس الثوري أسرى بين أيدي الثوار. الآن بعد سنة ونصف بدأوا يطالبون بالتدخل العسكري. لذلك، رجاء لا نريد أن يكون الروس في موقع الخصوم للشعب السوري، وهذه مسؤوليتكم تجاه اتخاذ قرار روسي حازم ضد بشار يُسهّل عملية الحل. بوغدانوف : بشار طالما يعرف أن هناك تنافرا بين الغرب والشرق ….. خدام: الشرق معه، والغرب يبدو أنه مع الشعب. الأمور ستبقى معقّدة، لذلك فإن الكرة في مرمى موسكو. لابدّ من موقف جدي وعملي تجاه بشار.نستطيع تغيير النظام وتمكين الشعب من ممارسة حقه تحت إشراف دولي وقانون نزيه يضمن الحريات للجميع. أنا بعد خبرة ستين سنة أقول علينا أن لا نقع في دوامة الحسابات الخاطئة.(………………..) بوغدانوف: ما الذي حدث مع ميشيل سماحه؟ (في إشارة للوزير اللبناني السابق الذي أُمسِك به متلبّسا بتهريب الأسلحة في سيارته من سورية إلى لبنان). خدام: إسأل بشار .. ميشيل مستشاره الخاص، ومكتبه في القصر الجمهوري، وراتبه من علي المملوك. كيف تريدون دعم وإسناد هكذا رجل؟. بوغدانوف: نحن نعتبرك أستاذا في السياسة، وحريصون على التعاون معك والبقاء على تواصل، وأعتبرك أستاذا لي وصديقا مخلصا وحميما، ولدينا تقاليد منها الحفاظ على الصداقة. نتمنى أن نبقى على تواصل. خدام: لم استخلص حتى الآن خلفية الموقف الروسي. هل أنتم بصدد إجراء تغيير حقيقي من خلال تغيير النظام وإعادة الأمن والإطمئنان للسوريين، وممارسة الشعب حقه في تقرير مصيره؟. بوغدانوف: نحن مع إنشاء دولة حديثة ومع حقوق الإنسان وتغيير النظام، ولكن بوسائل سياسية، وبمشاركة كافة الأديان والطوائف من خلال الحوار. خدام: بعد الذي حدث، كيف تتصوّرون أن أحدا يمكن أن يجرؤ على محاورة النظام؟ إن الجرح عميق لدى الشعب. هل هناك معارضة محترمة تستطيع مصافحة (مثل هذا) النظام؟. بوغدانوف: أنا التقيت مع الجميع وربما أكون مخطئا في التقدير، ولكن لم نر قيادة وشخصيات بارزة …. فما هو البديل؟. خدام: في المرحلة الإنتقالية حكومة تكنوقراطية وهذا جاهز. نحن نعمل بصمت وهدوء. أتفق معك على مواصلة الحوار. …………. عند هذا الحد انتهى اللقاء، وكما نرى بقي الحال على حاله بالنسبة للروس، وكذلك الإيرانيين والصينيين والأميركان أيضا. ونعود للسؤال الأول حول حقيقة الموقف الروسي وخلفياته، وماذا يُخفي النفي والتأكيد لأكثر من حالة واحدة في آن واحد. وكذلك الأمر بالنسبة لموقف الأمريكان أيضا؟ إنه السر الكامن وراء استمرارالمماطلة والتمييع وعدم الإنتصار الفعلي لإرادة الشعب الثائر ضد كل ما يُوجب الثورة عليه.’ كاتب سوري يقيم في باريس

Facebook
Twitter
LinkedIn
WhatsApp