مراسلات صدام والأسد السرية كشفت هلعهما بعد سلام الأردن وإسرائيل

الناشر: INDEPENDENT

الكاتب: عيسى نهاري

تاريخ نشر المقال: 2021-06-30

Facebook
Twitter
LinkedIn
WhatsApp

لم يكشف تفكك الاتحاد بين نظامي البعث في سوريا والعراق بعد توقيع البلدين على ميثاق العمل الوطني المشترك عام 1978، الذي ينص على تشكيل حكومة اتحادية مشتركة يتناوب على رئاستها العراقيون والسوريون، عن حجم الاختلافات الحزبية والطائفية والجغرافية التي أدت إلى القطيعة بين دمشق وبغداد فقط، ولكنه سلّط الضوء أيضاً على العلاقة المعقدة بين حافظ الأسد وصدام حسين.

وعلى الرغم من خيبة أمل القيادة السورية آنذاك بسبب دور صدام في إحباط “ميثاق العمل”، إلا أن الأسد لم يردّ مبادرة نظيره العراقي في فتح قنوات التواصل، ولكنه قابلها بشكوك في نوايا صدام واختبارات عدة، قبل الوصول إلى خطوات علنية تنهي القطيعة بين البلدين، بحسب رسائل سرّية حملها نائب رئيس النظام السوري الراحل عبد الحليم خدام من مكتبه إلى باريس، لدى مغادرته سوريا في عام 2005 ونشرتها صحيفة “الشرق الأوسط”.

الرسائل التي تبادلها الأسد وصدام كشفت عن رغبتهما في استعادة العلاقات الدبلوماسية بين البلدين ومخاوفهما المشتركة من “اتفاق وادي عربة”، وهو معاهدة سلام وُقعت بين الأردن وإسرائيل، لتنهي حالة العداء الرسمية بين البلدين، في تحول هز موازين القوى في المنطقة. وما كان لقناة التواصل السرية إلا أن أسهمت في كسر الجليد بعد سنوات من الخلافات والتصعيد بين دمشق وبغداد، بدءاً من قطع العراق العلاقات مع سوريا في عام 1980، رداً على موقفها من الحرب العراقية – الإيرانية، ووصولاً إلى القرار السوري بإغلاق الحدود مع العراق، الذي أدى إلى قطع أنبوب النفط العراقي إلى البحر المتوسط.

سبب المبادرة

وفيما يرى السفير العراقي لدى قطر آنذاك، أنور القيسي، الذي كلّفه صدام بتولي “القناة السرية”، أن المبادرة جاءت من الأسد بعد قوله علناً إن مشروع الأردن للفيدرالية يهدد سوريا والعراق، وتلقيه إشارة من نائب رئيس النظام السوري عبد الحليم خدام بفتح قناة بين الرئيسين، يقول خدام إن الرئيس العراقي هو من أقدم على الخطوة في أغسطس (آب) 1995، وإن الأسد قابلها بـ “شكوك” على خلفية دور رفيقه البعثي في انهيار مشروع الاتحاد، وفق جريدة “الشرق الأوسط” اللندنية التي انفردت بنشر المراسلات السرية بين الرئيسين.

وأفاد القيسي، الذي أكد صحة الوثائق، أن السبب المباشر لفتح قناة التواصل بين الأسد وصدام، هو “إقناع الإخوة السوريين بعدم استقبال حسين كامل (صهر صدام ووزير التصنيع العسكري في عهده). وبالفعل، لم يتم استقباله بسبب القلق المشترك من مشروع أردني لطرح فيدرالية”. ولفت الدبلوماسي العراقي إلى أن صدام اقترح عقد قمة سرية مع الأسد على الحدود، وتشكيل قيادة سياسية مشتركة، وبحث ثنائي بإحياء “ميثاق العمل”، إضافة إلى تداول اقتراح قمة عربية في دمشق لمصالحة عراقية – عربية.

استعجال وتريث

أولى الرسائل بين صدام حسين وحافظ الأسد، تكشف عن أن صدام بدا مستعجلاً إعادة فتح السفارتين اللتين أُغلقتا في 1982، وعقد لقاءات سياسية وفتح الحدود، لكن تلك الرغبة قوبلت بالتريث من جانب الأسد، الذي أبلغ نظيره العراقي أنه ينوي إجراء اتصالات مع عدد من الدول العربية لعدم زيادة “تعقيد الوضع العربي”.

في أغسطس 1995، نقل السفير العراقي رافع التكريتي رسالة شخصية من صدام إلى الأسد، قال فيها “أوكد أن الخطوة التي نتقدم بها نحو سوريا بهدف بناء الثقة والتقارب بين البلدين هي خطوة جدية جداً، وبأن أي حساسية من حساسيات الماضي لن تعاد. إن تجارب الماضي لها ظروفها وملابساتها، وعلينا أن ننساها وأن نبدأ بانفتاح حقيقي وجدي وبقلوب مفتوحة حيال هذه المرحلة الخطيرة”. وفي أواخر الشهر نفسه، اتصل السفير العراقي في قطر، بالمدير العام لـ “المنظمة العربية للتنمية الزراعية” يحيى بكور، طالباً منه إبلاغ دمشق برغبته في القيام بزيارة حاملاً رسالة من صدام.

وبعدما ناقش الأسد مع نائبه ووزير خارجيته، فحوى الرسالتين، قرر الموافقة على حضور السفير العراقي بصورة سرية، وكان الحرص على أن تتم الاتصالات مع السفير العراقي لدى قطر وليس أنقرة، لأسباب كثيرة بينها أمن المعلومات، لاحتمال أن تكون السفارتان (السورية والعراقية) في تركيا مخترقتين من أجهزة استخبارات عدة، وهو ما يظهر أيضاً عدم وجود قناعة سورية حينها بجدية النظام العراقي في تغيير جوهري في سياساته.

وفي 5 سبتمبر (أيلول) 1995، نقل القيسي رسالة أخرى من صدام ورد فيها، “تحيات حارة من الرئيس العراقي إلى الرئيس حافظ ولي، وإن صدام يؤكد أن رغبة العراق في إعادة العلاقات إلى طبيعتها مع سوريا لم يكن حدثاً طارئاً أو مرتكزاً آنياً بسبب ما يتعرض له العراق من ضغوط أميركية وإصرار مقصود لاستمرار الحصار، بل إن هذه الرغبة تنطلق من اعتبارات تتعلق بالأمن القومي العربي والمصالح العربية المصيرية”.

كما قال المبعوث العراقي، “يحيي الرئيس صدام والعراقيون جميعاً تصريحات الرئيس حافظ وتصريحاتك في إيران ويثمنونها تثميناً عالياً، والتي أكدت حرصه على وحدة العراق أرضاً وشعباً، ورافضاً أي تدخل أجنبي”. وأضاف أن صدام يقول إن “المخطط الأميركي – الصهيوني واضح، وأصبح الأردن جزءاً منه، وهو يعد طبخة تهدف للإضرار ليس بالعراق فقط، وإنما بسوريا وبكل المصالح العربية، وليس الهدف إضعاف العراق وتقسيمه، وإنما استباحة المنطقة العربية سياسياً وعسكرياً واقتصادياً”.

تحالفات متغيرة

من جانبه، كشف عبد الحليم خدام عن أن حافظ الأسد رأى أن يكون الرد على الرسائل العراقية إيجابياً وودياً، والتنسيق للقاء لتقييم جدية الموقف العراقي. وأملى خدام لدى استقباله السفير العراقي برسالة جاء فيها: “تحيات الرئيس حافظ وتحياتي للرئيس صدام. يؤكد الرئيس حافظ أن المرحلة التي تمر بها الأمة العربية والتهديدات التي يتعرض لها كل من العراق وسوريا، تقتضي أن يبادر الطرفان، ومن دون تأخير، إلى ضرورة تجاوز العقبات وتجاوز الخلافات، لإيقاف حالة التدهور في الوضع العربي وانقسامه إلى شلل ومحاور، يحاول فيه كل محور أن يلعب على الآخر ضماناً لمصالح خاصة ومعروفة، تبتعد كلياً عن المصالح العليا للأمة العربية، إرضاءً لهذا الطرف الدولي أو ذاك”.

وبات جلياً من خلال الخطاب السوري أن دمشق كانت تشارك بغداد رغبة إعادة العلاقات بين البلدين بهدف مواجهة التحديات والتحالفات الجديدة التي اجتاحت المنطقة، إذ ذكر خدام في رسالته للعراقيين أن “الدور الأردني أصبح جزءاً مهماً من الاستراتيجية الأميركية – الصهيونية، والمحاولات المشبوهة التي يحاول التحرك بها سواء مع واشنطن أو تركيا أو مع الكيان الصهيوني، وما يتردد عن الأحلاف التي أخذت تتشكل وتظهر إلى العلن، وخطورتها ليست فقط على سوريا والعراق، وإنما على الأمة العربية”.

مساعي لإعادة العلاقات

وفي 19 سبتمبر 1995، التقى السفير العراقي في أنقرة نظيره السوري، وأبلغه أن القيادة في بغداد تلقت استفسارات القيادة السورية هذه بكل الارتياح، وهي تترك للقيادة السورية تحديد طبيعة ومستوى ومدى الحوار والتعاون، فهي على استعداد للقاء سوري على الحدود السورية – العراقية، تحدد القيادة السورية درجة سريته والمستوى والتاريخ “كما ترغب القيادة العراقية في إعادة العلاقات الدبلوماسية، على مستوى رعاية مصالح أو قائم بالأعمال أو سفير”.

وقال خدام إن “الوضع بالنسبة لنا مقلق بسبب التحرك الأميركي والأردني من جهة، ومن جهة ثانية فإن تجارب الماضي مع القيادة العراقية وما عانيناه من مرارة وآلام، شكل عامل حذر. إضافة إلى أن التقارب السريع، من دون تحضير عربي له، سيؤدي إلى تشويش علاقاتنا العربية وإلى قيام حالة من البرود مع التيار القومي في المعارضة العراقية، وشكوك بيننا وبين التيار الإسلامي والجبهة الكردية التي تربطنا بها علاقات جيدة”.

وفي فبراير (شباط) 1996، تسلم نائب رئيس النظام السوري من السفير العراقي رسالة أخرى اقترح صدام فيها إعادة العلاقات الدبلوماسية، وبدء اتصالات سياسية على أعلى المستويات، والمباشرة في إجراء مباحثات أمنية إضافة إلى فتح الحدود وفق إجراءات يتفق عليها الجانبان.

وبعد عرض الرسالة العراقية على حافظ الأسد، اتفق مع نائبه على إعداد مشروع رد يبقي طريق الحوار مفتوحاً، لسبر إمكانية الوصول إلى اتفاق جدي من جهة، وتهيئة المناخ، لا سيما مع السعودية والكويت اللتين كانتا الأشد تضرراً من غزو الكويت والأكثر حساسية بين دول الخليج لهذه المسألة، من جهة ثانية.

ووافق الأسد على مشروع الرسالة في 4 فبراير 1996، وجاء فيها ما يلي: “السيد الرئيس يهدي تحياته إلى أخيه الرئيس صدام، ويعبر عن ارتياحه لمبادرته، ويشاركه القلق حول الوضع في المنطقة وحول المؤامرة الهادفة إلى تفكيك العرب وإلغاء الهوية العربية (…) والمشروع الأردني- الإسرائيلي هو جزء من هذه المؤامرة التي تستهدف العرب في ماضيهم وحاضرهم ومستقبلهم… وقلقنا بدأ منذ فترة، وكنا نتوقع مثل هذه التطورات الجارية في الساحة العربية. لذلك، فإن الرئيس حافظ تحدث عن حول وجوب تحقيق المصالحة العربية وتجاوز أحداث الماضي، وأن الجميع مهدد من الخارج…”.

تضامن وقمة سرية

وتكشف محاضر الاجتماعات أن السفير العراقي لدى قطر نوّه خلال لقائه المدير العام لـ “المنظمة العربية للتنمية الزراعية”، بـ “الأهمية التي يعلّقها العراق في هذه المرحلة على إعادة العلاقات مع سوريا، كردٍّ على الهجمة التي ترتبها أميركا وإسرائيل بالتعاون مع الأردن وتركيا، ضد كل من العراق وسوريا معاً”.

ويروي القيسي أن صدام اتصل به “أثناء العدوان على لبنان، وأبلغه أن يبلغ سوريا أن جميع إمكانات العراق بتصرف سوريا، وأنهم يريدون إشارة في هذا المجال، في محاولة ترتيب اجتماع مع الرئيس حافظ، يضم الرئيسين، خلال عطلة العيد. وبحسب الدبلوماسي العراقي، فإن صدام كان “يثق بأن مجرد عقد الاجتماع سيؤدي إلى حل جميع القضايا العالقة، وأن العراقيين يعتقدون أن الأخبار التي راجت عن عقد الاجتماع صحيحة، نظراً لأن الرئيس صدام كان في زيارة للموصل ومناطق الحدود مع سوريا في أسبوع العيد”.

صدام ومد الجسور مع إيران

وفي ضوء مخاوف الرئيس العراقي من مؤامرة كبيرة تستهدف المنطقة والعراق، كشف القيسي أن صدام اتصل به لكي يستقصي ما يحاك وأسباب زيارة رئيس الأركان الأميركي للمنطقة. وأنه اطّلع على “رسالة واردة إليه بتوقيع الرئيس بيل كلينتون يقترح فيها عليه الموافقة على تشكيل مجلس أمن شرق أوسطي، يشمل تركيا والأردن وإسرائيل وقطر ومصر ودولاً أخرى، مهمته مكافحة الإرهاب وترتيب أمور المنطقة ومعاقبة الدول التي تدعم الإرهاب”.

وتحدث طارق عزيز الذي شغل منصبي وزير الخارجية ونائب رئيس الوزراء في العراق عن أن اللقاءين اللذين عقدا بمبادرة موسكو، أحدها لقاء عزيز بوزير الخارجية السوري فاروق الشرع، لم تجدِ نفعاً لأنها كانت بدافع من الغير وبناء على ضغوط السوفيات، وأوضح أن “المؤامرة كبيرة على المنطقة، وهي متشعبة ولا تستهدف العراق وحده، بل تستهدف سوريا وكذلك إيران، وسوف تستفرد أميركا بالدول العربية كلٍّ على حدة، وكل من يدعم حركات التحرر من الهيمنة”.

وأضاف عزيز، بحسب المحضر، “إن العراق حاول مد الجسور مع الإيرانيين وتصفية العلاقات معهم، وساروا خطوات جيدة في مجال فتح الحدود وتطوير العلاقات التجارية القائمة على تبادل السلع الإيرانية بمشتقات نفطية وسلع عراقية، وقد كان ذلك في مصلحة البلدين. وزاد أن المشكلة مع الإيرانيين أن قيادتهم غير موحدة الرأي، وذلك ينعكس على تصرفاتهم وآرائهم في كل اجتماع، وأن القيادة العراقية قابلت بارتياح الردود الإيجابية من القيادة السورية على مبادرة الرئيس صدام لإعادة العلاقات بين القُطرين، وإن العراق ينطلق في ذلك من حرصه على عمل مشترك، ومن الأهمية التي يحتلها القُطران لإعادة التضامن العربي”.

وعن الإشارات الإيجابية والمشجعة من الجانب السوري، قال صدام إن إطّلاع الآخرين على ما سيتم بين سوريا والعراق حالة إيجابية وضرورية، وليست حالة سلبية، وإطلاع إيران عمل إيجابي، على رغم كونها دولة أجنبية، وهي تتعرض لضغوط والتنسيق معها مفيد على رغم أن نظرتهم للأمور نظرة قاصرة، لأنهم يريدون تحقيق (كل شيء أو لا شيء)”.

نزع سلاح حزب الله ما المقابل؟

وفي أعقاب الاتصالات العراقية – السورية لإعادة العلاقات الدبلوماسية، قرر رئيس النظام السوري إيفاد خدام إلى باريس للقاء الرئيس الفرنسي جاك شيراك، وإطلاعه على قرار فتح الحدود السورية – العراقية المغلقة منذ عام 1982.

وبحسب محضر الاجتماع، عرض شيراك على الأسد نزع سلاح “حزب الله” مقابل البقاء في لبنان، وتساءل الرئيس الفرنسي، “لكن، هل يُنزع سلاح (حزب الله)؟ الجيش يمكنه أن يفعل ذلك من الناحية التكتيكية، أما سياسياً فهو لا يستطيع. من يستطيع ذلك هي سوريا. وماذا تطلب سوريا مقابل نزع السلاح هذا؟”.

أجاب خدام، “إسرائيل تنسحب ذاتياً، إذن سوف تترك فراغاً. وهناك في الجنوب، إلى جانب “حزب الله” والفصائل الفلسطينية، فئات أخرى. إن وسائل الإعلام تضخّم كثيراً أمر “حزب الله”. وعلى كلٍّ فهذا الأمر يناقش داخلياً وضمن إطار مصالح لبنان وليس مصلحة إسرائيل. إسرائيل تريد خلق مشكلة في لبنان، ولكن جميع اللبنانيين مدركون لهذه اللعبة. إن مناقشة مسألة السلاح ونزع السلاح بشكل مسبق هو شرط مسبق إسرائيلي، ونتنياهو لا يريد شروطاً مسبقة”.

أضاف الرئيس شيراك إذا حصل الانسحاب (الإسرائيلي) ولم يُنزع سلاح (حزب الله)، فهذا سيؤدي إلى استفزازات وأمور أخرى. أما إذا نُزع سلاحه فإن سوريا تفقد (شيئاً) حينئذٍ، ولا بد من شيء مقابل ذلك، وهو ضمان وجود سوري في لبنان. ربما كانت هذه أحلاماً. ما أريده هو أن يكون لدينا اتصال قوي وحميم”.

Facebook
Twitter
LinkedIn
WhatsApp